ما بين قضايا تهز الرأي العام وأخرى تُدفن في صمت داخل البيوت خوفًا من الفضيحة، يقف المجتمع على حافة أزمة أخلاقية واجتماعية تحتاج إلى مواجهة شجاعة لا تحتمل التأجيل.
إن الاعتداء الجنسي على الأطفال ليس مجرد جريمة تُسجّل في محاضر الشرطة، بل هو جرح عميق يُصيب الطفل في روحه قبل جسده، ويترك أثرًا لا يمحوه الزمن. أطفال في عمر الزهور يواجهون كابوسًا لا يستوعبه وعيهم، وتتحطم ثقتهم بالعالم وبالكبار الذين يفترض أنهم ملاذ آمن.
ولعل أخطر ما في المشهد أن حجم الجرائم المعلنة لا يعكس الحقيقة كاملة، فهناك ما هو أعمق وأخطر: حالات لا تُبلّغ، وأسر تفضّل الصمت على مواجهة المجتمع، وثقافة تلوم الضحية وتمتدح الستر على حساب العدالة.
فكيف نريد لأطفالنا أن يكونوا بخير ونحن نربيهم في بيئة يخاف فيها الطفل من الكلام أكثر مما يخاف من المعتدي نفسه؟ وكيف نُطالب بالطمأنينة بينما الخوف يسكن قلوب الآباء والأمهات كلما ابتعد أطفالهم عن أعينهم ولو دقائق؟
إن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى ما هو أكبر بكثير من حملات موسمية أو غضب عابر على مواقع التواصل. نحن بحاجة إلى تشريعات أكثر صرامة، تسدّ كل الثغرات وتفرض عقوبات رادعة على المعتدي، وإلى منظومة حماية داخل المدارس ودور الرعاية والأندية، وإلى تدريب حقيقي للمعلمين والمشرفين والعاملين مع الأطفال على كشف العلامات المبكرة للتحرش والاعتداء.
كما نحتاج قبل كل شيء إلى ثقافة جديدة تُعيد تعريف معنى الأمان، وتشجع الطفل على الإبلاغ، وتحميه من وصمة المجتمع.
وعلى الدولة أن تضع هذه القضية في مقدمة أولوياتها.. لا باعتبارها ملفًا اجتماعيًا فحسب.. بل بوصفها قضية أمن قومي بالمعنى الكامل للكلمة. فأمن المجتمع يبدأ من حماية أضعف أفراده، ولا انهيار أخلاقي يفوق انهيار الثقة بين الطفل ومن حوله.
المطلوب اليوم ليس فقط تشديد العقاب.. بل بناء منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والحماية والدعم النفسي، وتضمن ألا يتحول طفل واحد إلى ضحية صامتة لأننا خذلناه.
وفي الوقت نفسه، يبقى دور المجتمع الذى لا يقل أهمية، على كل أسرة أن تدرك أن التربية لم تعد تعني الطعام والملبس والمدرسة فقط، بل تعني الوعي، والحوار المفتوح، وتعليم الطفل حقوقه وحدوده، وتمكينه من قول «لا» دون خوف.
وعلى الإعلام أن يتحرر من وهم التجميل ويواجه الحقيقة كما هي – بلا تهوين ولا تهويل – لأن الصمت شريك مباشر في الجريمة.
فهل أطفالنا بخير؟
الحقيقة المؤلمة أننا لا نستطيع أن نجيب بنعم. لكننا نستطيع – إن أردنا – أن نبدأ مسارًا شجاعًا يجعل الإجابة «نعم» ممكنة خلال سنوات قليلة، فحماية الأطفال ليست رفاهية، ولا نقاشًا اجتماعيًا، بل هي معركة قيم ومستقبل تبدأ من إدراك حجم الخطر ولا تنتهي إلا حين يصبح كل طفل في مصر آمنًا في بئيته ومدرسته وشارعه، حينها فقط يمكن أن نقول بثقة: نعم… أطفالنا بخير.






















