في ذكرى الخامس والعشرين من أبريل، تتجدد في وجدان المصريين أعظم معاني الفخر الوطني والانتماء، ذكرى تحرير سيناء الغالية، التي رُويت بدماء الشهداء، واستُكملت بحكمة الدولة المصرية، لتصبح نموذجًا خالدًا في كيفية استرداد الأرض بالقتال حينًا، وبالقانون حينًا آخر.
لم تكن استعادة سيناء مجرّد حدث عسكري أو سياسي، بل كانت ملحمة وطنية متكاملة، اجتمعت فيها قوة السلاح مع عبقرية التفاوض، وتوحد فيها صوت الشعب مع إرادة القيادة. فبعد نكسة 1967، لم تعرف مصر اليأس، بل بدأت مرحلة إعادة البناء، وقررت أن يكون استرداد الأرض قضية وجود لا تقبل المساومة.
وجاء السادس من أكتوبر عام 1973 ليؤكد أن مصر لا تُهزم، وأن جيشها إذا ما قرر، انتصر. فكان العبور العظيم وتحطيم خط بارليف إعلانًا صريحًا عن بداية نهاية الاحتلال، ورسالة للعالم بأن لمصر جيشًا لا يعرف المستحيل. ثم جاءت اتفاقيات السلام لتترجم هذا النصر إلى مسار دبلوماسي أعاد لمصر كامل أرضها، عدا شبرًا واحدًا تمسكت به إسرائيل، هو طابا.
لكن مصر لم تنحنِ، ولم تفرّط، بل خاضت معركة قانونية أشبه بحرب شرف، لجأت فيها إلى التحكيم الدولي، مسلحة بالأدلة والخرائط والحجج القانونية، لتُثبت أحقية الوطن في كل ذرة تراب. وفي انتصار جديد، صدر الحكم الدولي بأحقية مصر في طابا، وتم رفع العلم المصري فوقها في 19 مارس 1989، لتُكتب نهاية مشرفة لمسيرة تحرير بدأت بالبندقية، واكتملت بالقانون.
إن ذكرى تحرير سيناء ليست مجرد مناسبة نحتفل بها، بل درسا خالدا في الوطنية الحقة، وتجسيدا لمعنى الدولة التي لا تفرّط، ولا تتنازل، ولا تنكسر. دولة تعرف متى تقاتل، ومتى تتفاوض، ومتى تنتصر بالحكمة كما تنتصر بالسلاح. وستظل راية مصر خفاقة فوق سيناء، شاهدة على أن هذا الوطن لا يضيع حقه، وأن دماء الشهداء لا تذهب هدرًا، وأن السيادة لا تُسترد إلا بعزم الرجال، وصلابة الموقف، وعدالة القضية.
اقرأ أيضًا: طارق العوضي ينتقد تعطيل تشغيل هاتفه الجديد رغم سداد كل الرسوم: “وقف حال باسم الميكنة”




















