يُعد الوقود أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في أي دولة، فهو لا يقتصر على كونه سلعة حيوية فحسب، بل يرتبط بشكل مباشر بتكلفة النقل، وأسعار السلع، ومستوى التضخم، ومزاج الشارع العام؛ لذلك، فإن أي تحرك في أسعاره – سواء بالزيادة أو النقصان – يترك أثرًا فوريًا وواسعًا على مختلف مناحي الحياة، وفي السياق المصري، ارتبط ملف الوقود خلال السنوات الماضية بسلسلة من التغيرات الكبرى في السياسات الاقتصادية، كان لها تأثير بالغ على المواطن والسوق على حد سواء.
منذ تولي الدكتور مصطفى مدبولي رئاسة مجلس الوزراء في يونيو 2018، دخلت أسعار البنزين في مسار تصاعدي شبه مستمر، ضمن خطة حكومية لتحرير أسعار الطاقة، هذا المسار التصاعدي لم يقف عند حدود محطات الوقود، بل انعكس بشكل مباشر على تكلفة المواصلات والخدمات اليومية، ما أثقل كاهل المواطن المصري، خاصة في ظل موجات تضخم متلاحقة وأوضاع اقتصادية ضاغطة.
أول زيادة كبيرة في يونيو 2018
في 16 يونيو 2018، أعلنت الحكومة عن أول زيادة لأسعار البنزين بعد أيام من تولي الدكتور مصطفى مدبولي مهام رئاسة الحكومة. ارتفع سعر بنزين 95 من حوالي 6.60 جنيه إلى 7.75 جنيه للتر، وبنزين 92 من 5 جنيهات إلى 6.75 جنيه، أما بنزين 80 فزاد من 3.65 إلى 5.50 جنيه. الزيادة شملت أيضًا السولار وغاز الطهي، وكانت جزءًا من سياسة تقليص دعم المحروقات.
تصريحات رئيس الوزراء تثير الجدل.. وخبراء لـ«الحرية»: أسعار البنزين قد تقترب من 25 جنيهًا
يوليو 2019
في 5 يوليو 2019، شهدت مصر واحدة من أكبر زيادات الوقود، بالتزامن مع تطبيق آلية التسعير التلقائي. ارتفع بنزين 95 إلى 9 جنيهات، و92 إلى 8 جنيهات، و80 إلى 6.75 جنيه، بينما ارتفع السولار إلى نفس السعر، كما زادت أسطوانة الغاز المنزلي من 50 إلى 60 جنيه، والتجارية من 100 إلى 130 جنيه. هذه الخطوة مثّلت تفعيلًا واضحًا لفكرة تحرير الأسعار وربطها بالسوق العالمية.
يوليو 2022
بعد فترة من الثبات النسبي في الأسعار بسبب أزمة كورونا، عادت الحكومة في يوليو 2022 لرفع أسعار الوقود بنسب طفيفة. ارتفع سعر بنزين 80 إلى 8 جنيهات، و92 إلى 9.25 جنيه، و95 إلى 10.75 جنيه، في حين صعد السولار إلى 7.25 جنيه. الزيادة كانت ضمن مراجعة ربع سنوية تقوم بها لجنة التسعير التلقائي.
مارس 2024
في 22 مارس 2024، أعلنت الحكومة زيادات جديدة شملت جميع أنواع البنزين والسولار والبوتاجاز. بلغ سعر بنزين 80 نحو 11 جنيهًا، و92 إلى 12.50 جنيه، و95 إلى 13.50 جنيه، وارتفع السولار إلى 10 جنيهات. كما زاد سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 75 إلى 100 جنيه، وجاءت الزيادة في وقت كانت فيه أسعار النفط العالمية مرتفعة، والجنيه تحت ضغط.
يوليو 2024.. زيادة تصل إلى 15%
في 25 يوليو 2024، قررت الحكومة زيادة جديدة في أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 15%. ارتفع بنزين 80 إلى 12.25 جنيه، و92 إلى 13.75 جنيه، و95 إلى 15 جنيهًا، في حين بلغ سعر السولار 11.50 جنيه. هذه الزيادة كانت ضمن مراجعة استثنائية استعدادًا لمراجعة صندوق النقد لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري.
أكتوبر 2024.. زيادة ثالثة في نفس العام
في 18 أكتوبر 2024، رفعت الحكومة أسعار الوقود للمرة الثالثة خلال عام واحد. وصل سعر بنزين 95 إلى 17 جنيهًا بدلًا من 15، و92 إلى 15.25 جنيه بدلًا من 13.75، و80 إلى 13.75 جنيه بدلًا من 12.25، في حين ارتفع السولار إلى 13.50 جنيه. هذه الزيادات تراوحت بين 10% و17%، ما أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والشعبية.
أبريل 2025.. الزيادة الأكبر حتى الآن
في 11 أبريل 2025، أعلنت الحكومة أكبر زيادة في أسعار الوقود منذ بدء سياسة التسعير التلقائي. بلغ سعر بنزين 95 مستوى 19 جنيهًا للتر، و92 إلى 17.25 جنيه، و80 إلى 15.75 جنيه، بينما قفز السولار إلى 15.50 جنيه، وزاد سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 150 إلى 200 جنيه. أوضحت الحكومة الزيادة نظرٌا للارتفاعات العالمية في أسعار الطاقة، وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.
سبتمبر 2025.. مدبولي: الزيادة القادمة قد تكون “الأخيرة”
قال الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إن الزيادة المرتقبة في أسعار الوقود، والمقرر إعلانها في أكتوبر المقبل، قد تكون “الزيادة الحقيقية الأخيرة”، مشيرًا إلى أن الحكومة ستستمر في تقديم دعم جزئي لأسعار السولار حتى بعد تطبيق هذه الزيادة.
وأوضح مدبولي، خلال لقائه مع عدد من رؤساء تحرير الصحف، أن الحكومة كانت قد التزمت بتأجيل تطبيق الزيادة لمدة ستة أشهر، في وقت سابق، مراعاة للظروف الاقتصادية، مشيرٌا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد اعتماد آلية التسعير التلقائي بشكل كامل، وفقًا لمتغيرات السوق العالمية، وعلى رأسها سعر خام برنت وسعر صرف الدولار.
وتترقب الأسواق المحلية قرارات لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، والمقرر أن تجتمع بنهاية سبتمبر الجاري، لتحديد الأسعار الجديدة للبنزين والسولار وأسطوانات البوتاجاز خلال الربع الأخير من عام 2025، والتي ستُطبق لمدة ثلاثة أشهر.
فهل تكون الزيادة الأخيرة؟
على مدار سبع سنوات، سجلت مصر سبع زيادات كبيرة في أسعار البنزين والسولار وغاز الطهي، مما يعكس توجهًا واضحًا نحو التخلص التدريجي من الدعم على الطاقة. وقد تراوحت نسب الزيادة بين 15% إلى أكثر من 50% في بعض الفترات، وتفاوت أثرها على المواطنين وفقًا لمستوى دخولهم ومدى اعتمادهم على الوقود.
وأكدت الحكومة مرارًا أنها تراعي البعد الاجتماعي، وتعمل – ضمن منظومتها الإدارية – على توجيه الدعم مباشرةً للفئات المستحقة من خلال برامج مثل “تكافل وكرامة”، ومنظومة التموين، لكن الواقع يؤكد أن الزيادات المتتالية تركت أثرًا واضحًا على تكاليف المعيشة والنقل وأسعار السلع.. فهل تكون الزيادة القادمة الأخيرة؟






















