تواجه أوروبا ضغوطًا اقتصادية متصاعدة في ظل استمرار تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس سلبًا على توقعات النمو ورفع معدلات التضخم، وسط تحذيرات متزايدة من اقتراب بعض الاقتصادات من حافة الركود.
وفي هذا السياق، أكد صندوق النقد الدولي أن الأزمات المتلاحقة لم تعد مبررًا لتأجيل الإصلاحات الاقتصادية، مشددًا على أن تعزيز مرونة الاقتصاد الأوروبي أصبح ضرورة ملحة لضمان الاستقرار وتحقيق نمو مستدام.
أوروبا تحت ضغط التضخم وتباطؤ النمو مع أزمة الطاقة
وتشير تقديرات الصندوق إلى تباطؤ نمو اقتصاد منطقة اليورو إلى نحو 1.1% خلال عام 2026، مقارنة بنحو 1.3% للاتحاد الأوروبي، في ظل تصاعد حالة عدم اليقين، بعد أن كانت التوقعات تشير إلى تحسن نسبي قبل اندلاع الحرب.
وتعكس المؤشرات الأولية تراجعًا في مستويات الاستثمار الخاص والاستهلاك، بينما يحذر خبراء من أن استمرار اضطرابات الإمدادات وتشديد الأوضاع المالية قد يدفع اقتصادات الاتحاد الأوروبي نحو الركود، خاصة مع صعود معدلات التضخم إلى قرابة 5%.
ويواجه صانعو السياسات تحديات متزايدة لاتخاذ إجراءات سريعة وفعالة، إلا أن تقرير الصندوق يحذر من الاعتماد على سياسات قصيرة الأجل قد تترك آثارًا سلبية طويلة المدى، مؤكدًا أن توجيه الدعم للفئات الأكثر تضررًا يظل الخيار الأكثر كفاءة.
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، توقع الصندوق أن يتبنى البنك المركزي الأوروبي نهجًا حذرًا، مع احتمالية رفع أسعار الفائدة بنحو 50 نقطة أساس خلال العام الجاري، بهدف احتواء الضغوط التضخمية ومراقبة تطورات أسواق الطاقة.
أما في المملكة المتحدة، فمن المرجح استمرار السياسة النقدية المتشددة في ظل استمرار مخاطر التضخم، بالتوازي مع دعوات لتشديد السياسات في عدد من دول شرق ووسط أوروبا.
وعلى صعيد المالية العامة، تواجه الدول الأوروبية ذات مستويات الدين المرتفعة قيودًا تحدّ من قدرتها على التوسع في الإنفاق، في ظل ضرورة السيطرة على العجز، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض. وفي المقابل، تتمتع دول مثل الدنمارك والسويد بهامش أوسع لدعم اقتصاداتها مقارنة بدول مثل فرنسا وإيطاليا.
وحذر التقرير من اللجوء إلى سياسات دعم شاملة، مثل تثبيت الأسعار أو خفض ضرائب الوقود، معتبرًا أنها مرتفعة التكلفة وغير فعالة، إذ يستفيد منها أصحاب الدخول المرتفعة بشكل أكبر. وأشار إلى أن توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا كان سيحقق كفاءة أعلى بتكلفة أقل مقارنة بحزم الدعم الواسعة التي تم تطبيقها خلال أزمة 2022.
وأكد التقرير أن تعزيز قدرة الاقتصاد الأوروبي على الصمود يتطلب تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية، لا سيما في قطاع الطاقة، حيث لا تزال الأسعار أعلى بكثير من مستويات ما قبل عام 2022. كما شدد على أهمية استكمال سوق الطاقة الموحدة وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة منخفضة الكربون، التي تمثل حاليًا أكثر من 50% من إنتاج الكهرباء في الاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن تنفيذ إصلاحات شاملة يمكن أن يسهم في رفع إنتاجية الاقتصاد الأوروبي بنحو 20%، إلى جانب جذب استثمارات إضافية تصل إلى 800 مليار يورو خلال العقد المقبل، ما يعزز فرص النمو والاستقرار على المدى الطويل.


















