لم تعد الأساليب القديمة في الجاسوسية تُستخدم فليس هناك حبر سري الآن، ولا حتى أجهزة المورس التي كانت تُستعمل في التنصت على الطرف المطلوب، ولا داعي لإرسال الرسائل المشفرة، فالنقلة كبيرة بعد أن امتلأت السماء بالأقمار الصناعية التي تلتقط صورًا للنملة داخل الصخرة، وأخرى تنقل المعلومة قبل أن يرتد إليك طرفك.
ولكن كل المطلوب هو زرع أشخاص في الوطن المستهدف يقومون بمهامهم الطبيعية، ولكن وفق أجندة خاصة لها منتج نهائي تم إعداده وفق سيناريوهات مختلفة؛ مثل الدفع بشخص محدود الأفق ليكون في الصف الأول يقود الجموع بعد إعداده جيدًا، وإمداده بمعلومات تخدم الهدف المطلوب من معاونيه الذين تم تجنيدهم أيضًا.
وضعُ طبيبٍ فاشل في الصدارة كافٍ لهدم المنظومة الطبية، بحيث تكون لديه القدرة على تسويق ما يفعله على أنه إعجاز؛ فهذا نوع من هدم أركان الدولة، أو مهندس يُخطط فيصب ميزانية الدولة في مشروعات لا تجدي نفعًا، وحوله من يدّعي أنه مُلهَم، وأن ما يفعله يدخل دائرة الإعجاز، واعتلاء منظومة التعليم لذوي الأفكار الرجعية والترويج لها على أنها أحدث النظم كافٍ لهدم أهم مؤسسة تُنتج أجيالًا يُفترض أن يكونوا هم وقود الدولة المستقبلي في البناء والتقدم، وإعلامي مأجور أو باع ضميره أو تخلى عن وطنيته بشرط أن يتحلى بالقدرة على الإقناع ليبث السم في العسل، فيوحي إلى مستمعيه أنه عالم ببواطن الأمور، وأن مصادره هي الأقوى على الإطلاق؛ فهذا يكفي لتضليل الملايين بعد أن يُلبس الباطل غلالةً من الحق فتبدو تسرّ الناظرين.
إن هدم الرموز الوطنية خيانة للوطن والضمير، وتزييف للتاريخ، وجريمة في حق الأجيال الحاضرة واللاحقة، يتشارك فيها كل من كتب بقلمه وهو يعلم أنه يكتب من أجل المال وليس من أجل الحق والعدل والفضيلة، وآخر فنان رسم بفرشاته أو بلحنه أو بموهبته عبر المسرح والسينما فقدم مضمونًا يفت في عضد ثوابت راسخة هي كالجبال الراسيات، وإن اهتزت تكاد الأرض أن تميد بسكانها.
فالزعيم جمال عبد الناصر له أخطاؤه، ولكن التركيز عليها وترك إيجابياته التي شهد بها أعداؤه قبل أصدقائه هو هدم ممنهج للتاريخ، وقد دأب على ذلك ثُلة من الكُتاب، ونقد الشيخ الشعراوي ومحاولة تصدير فتاوى لم تُواكب التقدم الحضاري أو الطبي هو تقليل من قيمة الرجل وغزير علمه وفقهه.
ومحاولة تصوير أن صلاح الدين لم يكن بطلًا ولم يحرر القدس هو تشويه لموروث تاريخي علق في ذهن الأجيال كابرًا عن كابر، وتصوير أحمد عرابي على أنه سبب الاحتلال الإنجليزي لمصر وإغفال ما كتبه المؤرخ ميخائيل شاروبيم الذي عاصر الثورة العرابية، هو هدم للثوابت الوطنية.
والقول إن سعد زغلول كان يلعب القمار، وترك كفاحه ونفيه وقيادته لثورة فتحت لمصر نافذة على الاستقلال بعد عقود من الاحتلال، وتوجت كفاح أجيال وصولًا إلى وضع أول دستور لمصر فتح الطريق لتحرر وطني كامل فيما بعد — كل ذلك تجنٍّ على التاريخ.
ولا شك أن كل صاحب قلم يعرف الغث والسمين، ولكن أيضًا هناك من يعرف من أين تُؤكل الكتف، غير أن التاريخ لم يُخلد أحدًا منهم؛ فلم يكن تولستوي ولا تشيخوف ولا شكسبير ولا نجيب محفوظ ولا يوسف إدريس ولا توفيق الحكيم ولا يحيى حقي — أيٌّ منهم — مأجورًا أو يكتب لصالح كائنٍ من كان، بل كان كلٌّ منهم يكتب باسم ضميره، متصالحًا مع ذاته ووطنه، فكل من باع الوطن خائن، والبيع له أشكال وألوان شتى: بضميره، أو بلسانه، أو بموهبته، أو حتى بسكوته — وهو أضعف الإيمان.
إذا أردت أن تهدم وطنًا فقلل من قيمة رموزه، وشكك في أي قدوة اتخذتها الأجيال نموذجًا، واضرب كيان الأسرة في هيكلها، واجعل التعليم في مؤخرة الاهتمامات، وسلط الضوء على كل ما هو تافه ليكون نجم نجوم المجتمع، وسخّر له من يروّج لذلك من حملة المباخر.
وهذا هو ملخص كتاب صناعة التفاهة للكاتب الكندي آلان دونو، الذي فند كيف يتم تصدير كل السفاسف وصناعة الوهم بأنها الروعة، بجنود مجندة من أجل هذا الهدف، فتُصبح هي غاية المنى للأجيال، فيضمحل الهدف وتسطّح الأفكار.
وأخيرًا أقول: إن الولايات المتحدة لم تحتج إلى قنابل نووية ولا صواريخ عابرة للقارات لهدم الاتحاد السوفيتي، وإنما فقط ساعدت الرجل الذي جندته أن يصل إلى قمة السلطة — غورباتشوف — بعد أن زرعت في كل مؤسسة “غورباتشوف صغيرًا” فانهارت أركان الإمبراطورية التي كانت تقف لأمريكا بالمرصاد وتحافظ على التوازن العالمي، لدرجة أن المنتجات النووية أصبحت تُباع على قارعة الطريق كسلال البرتقال، وتفككت إلى دول صغيرة، وانفض حلف وارسو الذي كان ندًّا لحلف الناتو.
ولولا أن جاء بوتين ليلملم ما تبعثر ويحافظ على روسيا — وهي أقل ما تبقى من المعسكر الشرقي — لبيعت الرجال في سوق النخاسة بعد أن استُبيحت النساء وأصبحن تجارة رائجة في بلاد الغرب، بل حتى في دول العالم الثالث.
إن الضمير الإنساني والوطني إذا كان حيا فلا ولن يقبل أن تُستباح أي من رموزه ولا آثاره ولا حتى طقوسه؛ فالقادح خاسر، فلن يضيف ولن يفيد، وبئس ما فعل — وإن تعددت أشكال الخيانة — فالسقوط هو المصير، وفي البئر متسع لكل هؤلاء… بئر الخيانة.





















