مصر في قلوب المصريين عشقا لاينتهي ولايدوم أيضًا فعندما حدثت نكسة 1967 وقف الشعب يبكي على بلده وغنى عبد الحليم كلمات الأبنودي: “عدى النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر.. وعلشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر وبلدنا عالترعة بتغسل شعرها جاها نهار مقدرش يدفع مهرها”.
تناقضات الشخصية المصرية بين قسوة العتاب وعمق الحنين في الغربة
وعندما انتصرنا في اكتوبر 1973 غنينا للفرح والانتصار: “بسم الله الله أكبر بسم الله وعاش اللي قال الكلمة بحكمة في الوقت المناسب”.. لما نزعل منها نلعن سنسفيل أبوها ولما تتعب أو تنجرح نقعد جنبها نبكي معاها عليها، نشتمها ونكره اللي يقول أمين، كانت كده أمي الحاجة وهيبة بتقول مثل: “بدعي على ابني أه بس أكره اللي يقول أمي”.
إذا الفريق المصري انتصر يبقى المدرب عبقري ولو اتهزم يبقى مدرب تعبان ويجب تغييره وليس على قدر المسؤولية وحتى أروع لاعب في تاريخ مصر، الأيقونة محمد صلاح لو لم يسجل هدف يصبح في عداد الفاشلين.. شعبنا بيرفعك للسماء ويهبدك على الأرض مرة واحدة بلا مقدمات وبلا مبرر مقنع.
في لحظة كان الزعيم عبد الناصر زعيم الأمة العربية، وبعد ساعات هو سبب كل الهزائم التاريخية وقد يكون المسئول عن التفاف قريش على جيش المسلمين في غزوة أحد، والسادات بطل الحرب والسلام، ثم تقتله فئة تظن أنه كافر وهو أول من حقق انتصار على اليهود في التاريخ الحديث.
هل رأيت تلك الجماهير الجارفة التي هزت الاستاد بأمريكا تغني النشيد الوطني، وهم جلهم من المغتربين الذين تركوا مصر “طفشانين” من الفقر والواسطة والبيروقراطية والمحسوبية، وقائمة طويلة من الأسباب، هم الآن وأبنائهم وأحفادهم من الجيل الثاني والثالث يهتفون من كل أعماقهم: “ياحبيبتي يامصر”، بعشق يصل إلى حد الدموع يفتخرون بمصر الفرعونيّة، في زيهم والطبلة على واحدة ونص المميزة للإيقاع المصري الراقص في ميدان التايم الأمريكي الشهير وفي شوارع مانهاتن.
هذا هو الشعب المصري يرقص عشقا لبلده ويبكي حرقة عليه برغم انه يعيش في بلاد الرخاء ويتمتع بكل المزايا، لكنه يظل أبدا قلبه معلق بالحارة التي تربى فيها والبيت والأصدقاء القدامى، ويحن إلى نهر النيل والكورنيش وكوز الذرة المشوي كما تحن الطيور إلى أوكارها.. مهما عاش المصري بعيدا عن الأرض يظل يشتمّ رائحتها لدرجة أن آخر أمانيه تظل وصيته أن يدفن فيها وكأنه يظن ربما إنها لم تعطني خيرها وأنا على ظهرها فلربما تحنو عليّ وأنا تحت ترابها.



















