ظاهرة جديدة على المجتمع المصري.. «البلطجي فاعل الخير» .. يخرج عن القانون .. يسرق بالملايين والمليارات.. يفرض الاتاوات .. يضع يده على الأرض التي تعجبه .. يتاجر في جميع الممنوعات… وفي نفس الوقت يرمي الفتات للغلابة والبسطاء .. شنط رمضان .. مساعدة في تجهيز عرايس.. تبرع لجمعية خيرية .. يعقد جلسات عرفية للصلح بالقوة .. وفي النهاية يقال عليه فاعل الخير…
هذه الظاهرة لم تبدأ مع صبري نخنوخ – منذ القبض عليه يتحدث كثيرون عما قدمه من خير – بل ظاهرة ممتدة ومستمرة منذ عقود، أصبحت أقرب إلى الصناعة.. مثلاً .. منذ سنوات أثناء اعتداء بلطجي ورجاله على أصحاب محلات في حي المرج شمال العاصمة القاهرة بعد رفضهم دفع الاتاوة، قام أصحاب المحلات بقتله دفاعاً عن النفس إلا أن المفاجأة أن بعض وسائل الإعلام طلعته رجل بر وتقوى وفاعل خير، في تزييف للواقع .. دفع فاتورته أبرياء.. والآن تتصاعد الأصوات التي تتحدث عن أفعال نخنوخ الخيرية في تكرار لنفس السيناريو.. وهو الأمر الذي يتكرر بالكربون مع كل خارج عن القانون..
نعم .. وقائع تتكرر .. ومخاوف تتزايد .. وحاجة لعودة دولة القانون أصبحت ضرورية.. في عصر السوشيال ميديا الذي جعل الجميع يجلسون فى بيوت الجميع، ويشاركون في جلساتهم الخاصة، ويتقاسمون أنفاسهم.. كل شئ على عينك يا تاجر.. أصبح الجميع يسمع ويرى.
للاسف بات كل بلطجي وحرامي وناهب ثروات البلد وتاجر مخدرات وسلاح وآثار يتخفى تحت ستار فاعل الخير.. يسرق بالملايين ويتبرع بالآلاف لغسيل سمعته.. وبات هؤلاء يشكلون شبكة مصالح تخض وترهب وتثير الرعب.. شبكات ذات نفوذ وتأثير نسمع عنه ولا حكايات ألف ليلة وليلة..
ألقاب مثل رجل أعمال وباشا ومعلم وعمدة وحج أصبحت سيئة السمعة إلى أن يثبت العكس، بعدما تخفى اغلب الخارجيين عن القانون وراءها، وبات الناس عندما تصافح أحد المتبرعين تتحسس أصابعها خوفاً من أن يكون سرق أحدهم.
هل الأزهر والكنيسة يصدران فتوى بعدم جواز قبول التبرعات من مال فيه شبة الحرام .. ومنع الناس من قبول تبرعات أي شخص مصدر أمواله مشبوه.. نعم.. آن الأوان أن تتوقف تلك الظاهرة… لأنها تساهم في غسيل سمعة كل الخارجين عن القانون.. على مستوى الجمهورية..
نعم عزيزي القارئ.. الاحتفاء الشعبي بالقبض على صبري نخنوخ يتجاوز شخصه إلى رغبة واسعة في القضاء على دولة البلطجة التي تنهش جسد الوطن على مدار سنوات دون أن يستطيع أحد فتح فمه.. دولة بات لها قوانين وأعراف وأحكام موازية بعيداً عن أجهزة الدولة ومؤسساتها.. دولة اتسعت لدرجة أن كل صاحب حق ضايع يفشل في الحصول عليه بالقانون كان يذهب لرموز دولة البلطجية لاستعادة حقه.. فاختلطت الأمور.. وأصبح من يحكم بين الناس الخارجون عن القانون وليس رجال القانون؟!.
السؤال: هل تكون تلك الواقعة بداية لتطهير الدولة من هؤلاء؟! هل تقود الدولة وأجهزتها المختلفة حملات واسعة للتخلص من دولة البلطجة التي وفقاً لبعض التقارير الإعلامية تتجاوز 400 الف بلطجي على مستوى الجمهورية؟! أم أن الأمر لن يتجاوز زوبعة في فنجان، ومجرد تصفية حسابات بين الكبار، ويخرج نخنوخ ومن معه دون أن يصبهم سوء، ويشيل القضية عدد من الصبيان، وتعود ريمة لعادتها القديمة ويتحول كل أمل إلى إحباط..
والسؤال الأكثر تداولاً الآن: من ينتصر دولة القانون والحكومة ام دولة البلطجة؟! فواقعة القبض على صبري نخنوخ فتحت الباب المسكوت عنه، وبات الملايين الذين كانوا يشاهدون في صمت ما يجري في بر مصر يتحدثون عن عودة دولة القانون وتحرر الوطن من قبضة البلطجة التي أصبحت سلعة رائجة ولها أنصار في مختلف الانحاء، وأصبح عناصرها يفتحون مكاتب، ويشكلون فرق، ويوفرون فرص عمل، ولهم كشافة في كل حارة وكل حي يبحثون عن المواهب الجديدة.. بل أصبح كبارها رجال أعمال وأصحاب شركات في مختلف المجالات، لدرجة أن البعض أطلق شائعات أنهم يتحكمون في الكثير من أعضاء البرلمان والمسئولين..
يوجد الكثير من الكلام .. لكن دعونا نترقب ونرى.. الأيام القادمة كاشفة.. فقد علمتني الحياة ألا أقيم الفرح قبل أن يعقد المأذون.



















