أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكما تاريخيا غير مسبوق يقضي بأن القوانين المجرية المناهضة للمثليين تمثل انتهاكا صارخا وخطيرا للقيم التأسيسية التي قام عليها الاتحاد الأوروبي، ويعد هذا القرار القضائي الأول من نوعه في تاريخ التكتل الذي يتم فيه إدانة قانون وطني لدولة عضو بناء على خرق المبادئ الجوهرية المتعلقة بالكرامة الإنسانية والمساواة، وتسبب هذا الحكم في اندلاع صدام أوروبي مجري حاد يهدد بتعميق الأزمة السياسية داخل القارة العجوز، حيث أكدت المحكمة أن التشريعات التي فرضتها حكومة بودابست السابقة تهدف إلى تهميش فئة من المواطنين وتتعارض مع أسس التعددية وحرية التعبير التي تكفلها المعاهدات الدولية المشتركة،
تستهدف القرارات القضائية الجديدة التشريع الصادر في عام ألفين وواحد وعشرين والذي يحظر تداول أو ترويج المحتوى المتعلق بالمثلية الجنسية للقاصرين تحت مزاعم حماية الأطفال من الدعاية، وأوضحت محكمة العدل الأوروبية أن هذا القانون يصم المواطنين بوصمة عار اجتماعية ويخلق بيئة من التمييز الممنهج الذي يتنافى تماما مع هوية الاتحاد الأوروبي كمنظومة قانونية موحدة، ويمثل صدام أوروبي مجري نقطة تحول قانونية تمنح المفوضية الأوروبية صلاحيات أوسع لمحاسبة الدول التي تحاول الالتفاف على روح القوانين الأوروبية عبر تشريعات محلية مقيدة للحريات، وتعتبر المحكمة أن ممارسة التمييز ضد أي مجموعة على أساس الميول الجنسية هي جريمة قانونية تستوجب تدخلا فوريا لحماية حقوق الأقليات،
يأتي توقيت هذا الحكم في لحظة فارقة تمر بها المجر عقب الهزيمة التاريخية التي مني بها فيكتور أوربان في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في وقت سابق من شهر أبريل الجاري، وأسفرت النتائج عن فوز كاسح لبيتر ماغيار وحزبه تيسزا الذي نجح في إنهاء ستة عشر عاما من حكم أوربان المطلق للبلاد مما يضع الإدارة الجديدة في قلب صدام أوروبي مجري لم تكن طرفا في نشأته، ويتعين على ماغيار الآن اتخاذ قرارات حاسمة لإلغاء القوانين المثيرة للجدل لضمان استعادة مليارات اليوروهات من التمويلات الأوروبية المجمدة التي ترهنها بروكسل بمدى الالتزام بسيادة القانون، وتراقب العواصم الأوروبية مدى قدرة الحكومة المجرية الجديدة على تفكيك إرث أوربان التشغيلي والعودة إلى الحاضنة الأوروبية،
اعتبرت منظمات حقوق الإنسان والبرلمان الأوروبي أن هذا الحكم يمثل انتصارا تاريخيا لقيم العدالة والمساواة ضد التيارات القومية المتطرفة التي حاولت فرض وصايتها على المجتمع، ويؤدي صدام أوروبي مجري إلى خلق سابقة قانونية تمنع أي دولة عضو مستقبلا من تبني قوانين مشابهة تمس الحقوق الأساسية للأفراد تحت أي مبررات وطنية أو دينية، وأكد القضاة في لوكسمبورغ أن الدولة لا يمكنها التذرع بالهوية الوطنية لتبرير انتهاك الكرامة الإنسانية التي تعد العمود الفقري للاتحاد، وتظل الضغوط السياسية والاقتصادية هي المحرك الرئيسي لهذه المواجهة التي تهدف إلى إعادة رسم حدود السلطة بين العواصم الوطنية والمؤسسات المركزية في بروكسل،
أوضح الخبراء السياسيون أن الحكم القضائي يضع بيتر ماغيار أمام اختبار حقيقي للوفاء بوعوده الانتخابية المتعلقة بتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وترسيخ قيم الديمقراطية، وتتجه الأنظار نحو البرلمان المجري الجديد لمعرفة سرعة التفاعل مع مقتضيات الحكم وإجراء التعديلات التشريعية اللازمة لتفادي فرض عقوبات مالية إضافية قد ترهق الاقتصاد الوطني، ويشكل صدام أوروبي مجري رسالة تحذيرية شديدة اللهجة لكل القوى السياسية التي تتبنى خطابا إقصائيا داخل التكتل الأوروبي بضرورة الانصياع لقيم المواطنة الشاملة، وتستمر التداعيات السياسية لهذا الحكم في تصدر واجهة الأحداث العالمية نظرا لتأثيرها المباشر على مستقبل التماسك السياسي والاجتماعي داخل دول الاتحاد الأوروبي،





















