أن تظهر قضية سرقة أدبية وعلمية على وزير من الوزراء في الحكومة الجديدة قبل حتى أن يحلف اليمين، فهذا معناه أننا في أزمة أخلاقية يمرّ بها المجتمع المصري في العموم، والحكومة الجديدة على وجه الخصوص.
لقد قرأت منطوق الحكم وتقرير الخبير الذي استعانت به المحكمة، وكلها تؤكد إدانة الوزير الجديد الذي – مع الأسف – سقط في هوّة سحيقة من الاستسهال بالسرقة والتدليس.
الأمانة العلمية يا رئيس الوزراء ليست مجرد شعار يُرفع أو عبارة تُكتب في مقدمات الكتب، بل هي ركيزة أساسية من ركائز البناء الحضاري، وعمود من أعمدة النهضة الفكرية التي تقوم عليها الأمم.
فكيف لنا أن نبني مجتمعًا قويمًا على أكتاف من خانوا الأمانة في أبسط صورها؟ وكيف نثق بمن لم يستطع أن يكون أمينًا على فكره وعلمه قبل أن يُؤتمن على مصالح ملايين المواطنين؟
السرقة الأدبية والعلمية ليست مجرد خطأ عابر أو زلّة قلم، بل هي جريمة ذات أبعاد متعددة.
فهي سرقة لجهد الباحثين المخلصين الذين أفنوا سنوات من أعمارهم في البحث والتنقيب، وهي خيانة للأمانة العلمية التي يجب أن تكون مقدسة عند كل من يحمل لقبًا أكاديميًا، وهي – قبل كل ذلك – دليل على انهيار منظومة القيم التي يُفترض أن تحكم سلوك من يتولّون المناصب العامة.
ما يثير الأسى حقًا ليس مجرد وقوع الجريمة، فالأخطاء البشرية واردة، ولكن المؤلم هو الوصول إلى هذه المناصب الرفيعة رغم وجود مثل هذه السوابق. أين كانت لجان الفحص والتدقيق؟ أين كانت معايير الاختيار التي يُفترض أن تضمن كفاءة ونزاهة من يُعهد إليهم بتسيير شؤون البلاد؟
وهذة الحادثة تطرح تساؤلات مؤلمة كثيرة عن حالة الانحدار الأخلاقي التي وصلنا إليها.
فلقد أصبح الاستسهال ثقافة سائدة، والتحايل فنًا يُتقن، والتدليس مهارة تُمارس دون خجل أو وجل. في زمن مضى، كان الشخص يستحي أن يُنسب إليه قول لم يقله، أما اليوم فقد بلغ بنا الحال أن يسرق البعض أفكار غيرهم وأبحاثهم كاملة دون أدنى شعور بالذنب أو تأنيب الضمير.
والأخطر من ذلك هو الرسالة التي تُرسَل إلى الأجيال القادمة. ماذا نقول لطلابنا الذين نعلمهم ضرورة التوثيق والأمانة العلمية، حين يرون أن من سرق وزوّر قد وصل إلى أعلى المناصب؟ ماذا نقول للباحث الشاب الذي يقضي الليالي في مكتبات الجامعات يجمع المراجع ويوثق المصادر، حين يرى أن الطريق المختصر – طريق السرقة – قد يوصل صاحبه إلى كرسي الوزارة؟
حتى أن صمت المؤسسات الأكاديمية والرسمية عن مثل هذه القضايا يُعتبر تواطؤًا ضمنيًا مع هذا الانحدار. لا يكفي أن تصدر الأحكام القضائية، بل يجب أن تكون هناك آليات واضحة وصارمة لمحاسبة من يثبت عليهم الغش الأكاديمي، وإبعادهم عن المناصب التي تتطلب قدوة أخلاقية قبل أن تتطلب كفاءة إدارية.
نحن بحاجة ماسّة إلى مراجعة شاملة لمنظومة القيم في مجتمعنا، وإلى إعادة الاعتبار للنزاهة والأمانة كمعايير حقيقية للترقي والتقدم، لا مجرد شعارات تُردد في المناسبات الرسمية. نحتاج إلى أن نعيد بناء ثقافة الحياء من الخطأ، وأن نجعل من الأمانة العلمية قيمة مقدسة لا يجرؤ أحد على المساس بها.
القضية هنا ليست مجرد قضية وزير واحد، بل هي قضية منظومة كاملة تحتاج إلى إصلاح جذري. وما لم نتحرك بسرعة وحزم لوقف هذا النزيف الأخلاقي، فإننا سنجد أنفسنا أمام انهيار شامل لكل القيم التي بُنيت عليها حضارتنا عبر آلاف السنين.
















