لم تعد السياسة تدار فقط في الغرف المغلقة ولا تصاغ حصريا على موائد المفاوضات أو في أروقة البرلمانات. اليوم هناك لاعب جديد فرض نفسه بقوة على المشهد العام: الشاشة الصغيرة في يد كل مواطن.
بضغطة زر يمكن أن يتحول رأي فردي إلى موجة وتعليق عابر إلى قضية رأي عام ومقطع قصير إلى أزمة سياسية كاملة الأركان.
في هذا العالم الجديد يبرز سؤال جوهري: من يحكم من الآن؟ القرار أم الترند؟ في السابق كانت صناعة القرار تمر بمراحل واضحة: دراسة تقدير موقف نقاش مؤسسي ثم إعلان سياسي يتحمل أصحابه مسؤوليته كاملة.
أما اليوم فقد دخل عامل جديد على المعادلة: الرأي العام الرقمي، السريع، المتقلب، والانفعالي في كثير من الأحيان. هذا الرأي العام لا ينتظر تقارير أو أرقاما بل يتغذى على الصورة المختصرة والعنوان الصادم والمقطع المبتور من سياقه. وهنا تبدأ المشكلة.
الترند لا يصنع بالضرورة حقيقة لكنه يصنع مزاجا عاما. والمزاج العام في السياسة قوة لا يستهان بها. قد يدفع حكومة إلى التراجع أو مسؤولا إلى التوضيح أو مؤسسة كاملة إلى تغيير خطابها.
لكن الخطر الحقيقي ليس في تأثير المزاج العام بل في تحوله من عنصر ضغط صحي إلى أداة توجيه قسري للقرار حتى لو كان القرار بحاجة إلى هدوء وتأن وحسابات أعقد من منطق الإعجاب والمشاركة.
السياسة بطبيعتها فن الموازنة بين الممكن والمطلوب بين الواقعي والمأمول. أما منطق الترند فهو منطق اللحظة: إما أبيض أو أسود إما مع أو ضد دون مساحة كافية للرمادي الذي تعيش فيه أغلب القرارات الكبرى.
حين يدار النقاش العام بهذه الطريقة يصبح صانع القرار محاصرا بين ضغطين: ضغط الواقع المعقد وضغط جمهور يريد إجابات فورية وبسيطة عن أسئلة شديدة التعقيد .. هنا يظهر التحول الأخطر: من سياسة تقود الرأي العام إلى رأي عام يحاول قيادة السياسة. في الظاهر يبدو الأمر ديمقراطيا وجذابا؛ فالناس تتكلم وتنتقد وتضغط.
لكن في العمق نحن أمام مشهد مرتبك لأن الصوت الأعلى ليس دائما الصوت الأصدق ولأن الانتشار لا يعني بالضرورة الصواب ولأن أكثر القضايا حساسية قد تختزل في هاشتاج أو جملة مبتورة.
وسائل التواصل لم تكتف بنقل الخبر بل صارت تشارك في صناعته وتضخيمه وتوجيه زاوية النظر إليه. الخبر لم يعد مجرد واقعة بل أصبح رواية تتنافس عدة أطراف على صياغتها.
كل طرف يحاول أن يجعل روايته هي الأكثر انتشارا والأكثر إثارة والأكثر قدرة على حشد الغضب أو التعاطف. وفي خضم هذا الصراع على السرديات يضيع أحيانا جوهر القضية نفسها .. الخطر الأكبر أن السياسة حين تدار بمنطق الترند تميل إلى الشعبوية. القرارات الشعبوية قد تكسب تصفيقا سريعا لكنها غالبا ما تخسر على المدى المتوسط والطويل.
الدولة لا تدار بردود الأفعال ولا تبنى بالانفعال ولا تحمى بالقرارات التي تتخذ فقط لإرضاء موجة غضب عابرة. الدولة تدار بالحسابات الدقيقة وبالقدرة على رؤية ما وراء اللحظة وبالشجاعة التي تجعل صانع القرار يتحمل كلفة القرار الصحيح حتى لو كان غير محبوب في وقته .. هذا لا يعني تجاهل الرأي العام أو التقليل من شأنه.
على العكس الرأي العام عنصر أساسي في أي نظام سياسي حديث وهو مرآة تعكس ما يشعر به الناس وما يقلقهم وما يأملونه. لكن الفرق كبير بين الإصغاء الواعي للرأي العام والخضوع الكامل لإيقاع الترند. الأول ضرورة سياسية وأخلاقية والثاني مقامرة بمصير السياسات العامة.
في زمن اللايك والشير تتسارع الأحداث وتتقزم المسافات بين الخطأ وتضخيمه وبين التصريح وتأويله وبين الفعل ونتيجته الإعلامية. كلمة واحدة قد تشعل جدلا وصورة واحدة قد تغير مسار نقاش كامل.
هذا يفرض على السياسيين والإعلاميين معا مسؤولية مضاعفة: مسؤولية الدقة ومسؤولية السياق ومسؤولية عدم الانجراف وراء الإثارة السهلة .. المشكلة أن السوق الرقمي يكافئ الصدمة لا العمق، ويكافئ السرعة لا التحقق ويكافئ الانقسام لا النقاش الهادئ.
ومع الوقت يتشكل وعي عام مشدود إلى الحواف يميل إلى الأحكام القاطعة ويضيق صدره بالتفاصيل. وفي مناخ كهذا تصبح السياسة الرصينة غريبة واللغة المتزنة مملة والشرح الهادئ ترفا لا وقت له.. لكن الدول لا تبنى بالترندات ولا تهدم أيضا بها وحدها.
ما يصنع الفارق الحقيقي هو قدرة المؤسسات على الحفاظ على توازن دقيق: أن تشرح للناس أن تتحاور معهم أن تصحح عندما تخطئ وأن تصمد عندما تكون على يقين بأن الطريق الصحيح ليس هو الطريق الأكثر شعبية في اللحظة الراهنة .. السؤال إذن ليس: هل يحكم القرار أم الترند؟ بل: كيف نمنع الترند من أن يتحول إلى بديل عن القرار؟ وكيف نعيد الاعتبار للسياسة باعتبارها إدارة عقلانية للمصالح العامة لا مجرد سباق يومي على كسب الإعجابات؟ الإجابة تبدأ من وعي المجتمع نفسه.
من إدراك أن ليس كل ما ينتشر حقيقة وأن ليس كل ما يثير الغضب يستحق أن يُدار به مستقبل بلد. وتبدأ أيضا من إعلام يعرف الفرق بين النقد والبناء وبين كشف الأخطاء وصناعة الفوضى وبين إثارة النقاش وإشعال الحرائق.
في النهاية اللايك والشير أدوات وليسا بديلا عن التفكير. والقرار السياسي مهما كان متأثرا بالشارع يجب أن يبقى محكوما بمنطق الدولة لا بمنطق الموجة. لأن الموجات تهدأ أما الدول فإما أن تبنى على عقل أو تدفع ثمن أن تدار بالانفعال.






















