صرّح خالد فوزي، الخبير الاقتصادي، بأن هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي لم تأتِ من فراغ، وإنما تشكلت عبر مسار تاريخي طويل بدأ بتحولات كبرى في موازين القوة الاقتصادية الدولية على مدار القرنين الماضيين.
وأوضح فوزي، في تصريحات خاصة لـ”الحرية”، أن الجنيه الإسترليني كان العملة المهيمنة على التجارة العالمية خلال القرن التاسع عشر، مدفوعًا باتساع النفوذ البريطاني، إلا أن الحرب العالمية الأولى أنهكت الاقتصاد البريطاني وأضعفت قدرته المالية، ما فتح المجال أمام صعود الولايات المتحدة كقوة اقتصادية عالمية جديدة.
وأشار إلى أن النفوذ الأمريكي بدأ منذ استقلال الولايات الـ 13، ثم توسّع عبر الشراء والحروب والاتفاقيات، حتى أصبحت الولايات المتحدة أكبر سوق موحَّدة في العالم. ومع اندلاع الحربين العالميتين، خرجت أمريكا في وضع اقتصادي قوي مقارنة بأوروبا التي كانت تعاني من دمار واسع، لتتحول إلى الدائن الرئيسي للدول الحليفة، وتفرض الدولار كعملة أساسية لسداد الديون والالتزامات الدولية.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن اعتماد المؤسسات المالية الدولية الكبرى، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب بنوك الاستثمار العالمية، على الدولار كعملة رئيسية للإقراض والتمويل، عزز مكانته ورسخ نفوذه داخل النظام المالي العالمي.
ولفت فوزي، إلى أن مؤتمر بريتون وودز عام 1944 مثّل نقطة تحول محورية، حيث جرى ربط عملات العالم بالدولار، وربط الدولار بالذهب بسعر ثابت بلغ 35 دولارًا للأونصة، بالتوازي مع إطلاق الولايات المتحدة خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا، بهدف إعادة تشغيل الأسواق ومنع انتشار الفكر الاشتراكي.
وأكد أن هذا النظام استمر حتى عام 1971، عندما أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى ذهب، فيما عُرف تاريخيًا بـ«صدمة نيكسون»، ليتحول الدولار بعد ذلك إلى عملة تعتمد على قوة الاقتصاد الأمريكي نفسه، دون غطاء ذهبي مباشر.
وأشار إلى أنه رغم التحديات التي واجهت الولايات المتحدة، ومنها حرب فيتنام وما صاحبها من زيادة طباعة الدولار وارتفاع معدلات التضخم، فإن الاقتصاد الأمريكي نجح في امتصاص هذه الصدمات واستعادة الثقة في العملة، ما عزز استمرار هيمنة الدولار على التجارة الدولية وتسعير السلع الاستراتيجية والموارد الأولية.
هل يمكن تقليل الاعتماد العالمي على الدولار؟
وأوضح خالد فوزي، أن تقليل الاعتماد على الدولار ممكن، لكنه لا يمكن أن يحدث بشكل مفاجئ، وإنما عبر مسار تدريجي يعتمد على حزمة من السياسات الاقتصادية المتكاملة.
وأشار إلى أن تعزيز الإنتاج المحلي والتحول نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية يمثلان الأساس الحقيقي لقوة أي عملة. كما شدد على أهمية تنويع الاحتياطيات النقدية من خلال الذهب والفضة والسلع الاستراتيجية للحد من مخاطر تقلبات الدولار.
وأكد ضرورة ضبط أسواق الصرف ومنع المضاربات غير المشروعة، إلى جانب توطين الصناعة وتقليل الاستيراد عبر إنتاج بدائل محلية، بما يخفف الضغط على الطلب على الدولار.
وأضاف أن الاتفاقات الثنائية بين الدول باستخدام العملات المحلية، إلى جانب استخدام أدوات التحوط البنكي، تعد من الوسائل الفعالة لحماية الاقتصادات من التقلبات الحادة في أسعار الصرف.
واختتم الخبير الاقتصادي، تصريحاته، بالتأكيد على أن الثقة تبقى العنصر الحاسم في قوة أي عملة، موضحًا أن تطور النظام النقدي من المقايضة إلى الذهب ثم إلى العملات الورقية والرقمية، وصولًا إلى العملات المشفرة، يبرهن على أن قيمة العملة تُبنى في الأساس على ثقة الأفراد والأسواق في الاقتصاد الذي تقف خلفه.
اقرأ أيضًا: خبير يوضح لـ”الحرية” مسار الجنيه: بين انخفاض الفائدة ومخاطر الأموال الساخنة





















