تجسد قصص نساء سيدي بوزيد في تونس فصلاً مؤلماً من فصول الصمود الإنساني؛ حيث تتحول الحقول الخضراء إلى ساحات للمعاناة اليومية في مواجهة واقع اقتصادي لا يرحم.
تحديات معيشية تعصف بنساء سيدي بوزيد وسط تهميش يهدد لقمة العيش
تتصاعد حدة الأزمات الاقتصادية التي تضرب عمق تونس وبالتحديد في محافظة سيدي بوزيد، حيث تضطر العاملات في قطاع الفلاحة إلى خوض معارك يومية قاسية لتأمين القوت الأساسي لأسرهم. يعكس الواقع الراهن حجماً هائلاً من المعاناة الإنسانية التي تتجسد في استغلال مفرط لجهد المرأة الريفية مقابل فتات لا يسمن ولا يغني من جوع. يمثل استمرار هذه الأوضاع المتردية إنذاراً بخطر يهدد الاستقرار الاجتماعي في المناطق التي تعتمد كلياً على عرق النساء في صمودها الاقتصادي المتهالك.
استغلال ممنهج وأجور هزيلة
تستمر خيرة نصري التي بلغت العقد السادس من عمرها في العمل داخل مزارع الزيتون منذ أكثر من أربعين عاماً دون أي ضمانات اجتماعية أو حقوقية تحمي شيخوختها. يبرز كفاح خيرة نصري كنموذج صارخ لمأساة نسوية حيث تقضي يومها بين الري وجني الثمار واقتلاع الأعشاب لتوفير مصاريف الإيجار وفواتير الخدمات العامة. تفتقر هذه الفئة من العاملات لأي دعم حقيقي يواجه التضخم الجامح الذي جعل من تدبير وجبة يومية واحدة معركة تتطلب جهداً ذهنياً وبدنياً مضاعفاً بشكل مستمر.
تبذل خيرة نصري محاولات يائسة لزيادة دخلها عبر امتهان صناعة الخبز التقليدي وبيعه للمارة، إلا أن تلك المحاولات تصطدم بجدار الغلاء الذي يلتهم كل العوائد. تشير المعطيات إلى أن غلاء المعيشة تجاوز كافة الخطوط الحمراء، مما جعل تغطية نفقات التعليم والعلاج والملابس للأبناء حلماً بعيد المنال في ظل سياسات اقتصادية لا تنظر بعين الرحمة لهؤلاء الكادحات. تمارس خيرة نصري مهامها في ظروف تفتقر لأدنى معايير السلامة المهنية، وسط غياب تام لأي رقابة تنصفها من تغول أصحاب العمل.
فوارق طبقية في توزيع المهام
تستيقظ مباركة جمعي في تمام الساعة الثالثة فجراً لتبدأ رحلة شقاء تمزج بين رعاية المنزل والعمل الشاق في الحقول الزراعية منذ ما يزيد عن عشر سنوات. تؤكد مباركة جمعي أن المرأة في هذا القطاع تتحمل العبء الأكبر من العمل البدني الشاق مثل تنظيف الأشجار وفرز المحاصيل، بينما يحصل الرجال على مهام أخف وبأجور أعلى. يعمق هذا التمييز الصارخ جراح نساء سيدي بوزيد اللواتي يجدن أنفسهن مطالبات بتحمل أعباء المنزل وتربية الأبناء الثلاثة بجانب العمل الميداني المنهك.
تتعرض مباركة جمعي لضغوط مالية خانقة بسبب آلية دفع الأجور التي قد تكون أسبوعية وغير منتظمة، مع تعرضها لاقتطاعات تزيد من سوء حالتها المعيشية المتدهورة. يواجه الواقع المرير تساؤلات حول جدوى العمل المستمر الذي لا يوفر حتى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني. تضطر مباركة جمعي للمفاضلة بين الضروريات مثل الغذاء والدواء، مما يعكس فشلاً في توفير شبكة أمان اجتماعي تحمي هؤلاء النساء من السقوط في براثن الفقر المدقع.






















