الكثير والكثير مما ورد إلينا، من سيرة ذاتية، أو مذكرات رسمية أو سرية، أو مقالات لكبار الصحافيين والكتاب، كلها تصب في مجرى واحد:
أن…
أنيس منصور هو جان جاك روسو العرب،
المذنب المعترف ليس بذنوبه فحسب، بل إنه يعترف نيابة عن كل من صادفهم، أو جمعه بهم حادث أو موقف.
ابن الدقهلية المتقد ذكاءً، الحافظ لكتاب الله وهو في التاسعة من عمره، أحد رواد أدب الرحلات، ثم المؤلف للكتاب الأكثر شهرة 200 يوم حول العالم، الذي حصد به جائزة الدولة التشجيعية عام 1963.
ذلك الداهية الذي كان يدرك تمامًا متى ينصت ومتى يتحدث.
ذلك الماكر أيضًا الذي يضفي عمدًا على حديثه سخرية مقصودة، فيلونه بألف لون، ولكل قارئ أن يفهم ما يحلو له دون أن يمسك عليه أحد زلة.
فالحديث ما بين وبين،
ما بين جدية مواربة، وهزل واضح.
أي فخ ينصبه لنا حرف أنيس منصور فلا ندري أكاذيبه من حقائقه؟
وجده من هزله؟!
كان يتلذذ بترك العنان لخيال المتلقي، حتى في أدق تفاصيله (ديانته)، فقد ظل الجميع يعتقد أنه مسيحي وكان يتلقى تهنئة عيد الفصح ولم يصحح موقفه!
فتح لأنيس منصور بابًا ملكيًا لدخول عالم الصحافة (الباب الفلسفي) بحكم دراسته لها، ثم امتهانه العمل بها كمدرس في إحدى الجامعات المصرية، لتنسج خيوط الحيرة بيوت عنكبوت في عقولنا:
هل انتهج أنيس منصور المكر السياسي؟
أم عمد إلى الدهاء الفلسفي؟
هل اعترافاته مقصودة منه كداهية؟ أم أنها مجرد حكي وتوثيق ليس إلا؟
هو الناصح:
“ليس كل ما نسمعه ونراه قابلًا للنشر.”
وهو ذاته من دوَّن ونشر تفاصيل التفاصيل، ولم يترك موقفًا له مع أحد إلا وسجله.
هو الرفيق الكتوم في لقاء الثلاثاء مع السادات، يستمع إليه، ويحدثه، ويدونه إلى حين. ليخلع عليه السادات وصف الحكَّاء، ويجعله رسولًا حاملًا رسائله لليهود والعالم أجمع.
هو ذاته من نشر كيف أن العقاد رفض التسجيل معه قبل أن يقبض 200 جنيه، دفعها أنيس من جيبه لأنه لم يكن هناك إنتاج للبرامج.
والحال نفسه كتبه عن طه حسين، حيث طلب الأخير من أنيس منصور 400 جنيه، ثم يخرج علينا باكيًا في برنامج تلفزيوني لرؤيته العقاد يتسول في أواخر حياته؟!
اعترافات الصحفي الكبير أنيس منصور بأنه كان يأخذ مناقشات العقاد ويدرسها للطلاب في جامعة المنصورة، قسم الفلسفة، كلية الآداب. من المعروف أن أنيس منصور كان أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة سابقًا، وأنه كان أحد أساتذة الجامعة في قسم الفلسفة، وكان يحضر صالون العقاد، فينقل مناقشاته ويدرسها في الجامعة. فهل تعتبر هذه سرقة؟
ربما لم يكن يذكر انتماء ما يقوله للعقاد، لكن بالتأكيد لم يكن كل ما قاله غير منتمٍ له. فهو العقلية الصاخبة، والصحفي الذي يجيد نظم الفكرة وتقويتها.
ثم تأتي قصته الأشهر:
كتب جان جاك روسو العرب تصريحًا في جريدة الشرق الأوسط اللندنية عام 2010، وهو تصريح معادٍ كان قد كتبه من قبل في جريدة الأهرام، في عموده الأكثر ذيوعًا وشهرة (مواقف)، مفاده أنه اشترك مع إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي في تأليف رواية ومنحها لكاتبة مغمورة، زوجة سياسي شهير، بعد أن تم تقسيمها بينهم.
وظهرت الرواية ليذيع صيت الكاتبة، ويفخر بها زوجها (السياسي المعروف).
فما الذي دفع ثلاثتهم لامتهان (الجوست رايتر)؟! لم يكن ينقصهم مال أو شهرة، بل كانت تلك رغبة في الاستناد إلى حائط سياسي!
فقد كانوا يعلمون جيدًا كيف للمظلة السياسية أن تهيمن وتعلو فوق الركب الثقافي والديني على حد سواء.
باعتراف أنيس منصور، وهو في الحقيقة اتهامٌ جلي لثلاثي الفكر والأدب والثقافة، وترسيخٌ لحقيقة أن ما يحدث الآن من بيع القلم والجهد لم يكن أبدًا وليد العصر واليوم.
ماذا أراد أنيس منصور من وراء هذا الاعتراف العجيب، المكتمل الأركان، عدا ركن واحد ركين، وهو: من هي تلك الكاتبة؟
وهل من المعقول أن يضحي بسمعته وسمعة عبد القدوس والسباعي محافظًا على سر هذه المرأة دون مكاشفة؟!
منحنا أنيس منصور ذلك الاعتراف، صانعًا عصفًا ذهنيًا هائلًا وحيرة كبيرة:
من تكون هذه الكاتبة؟
ونتساءل: هل تعمد أنيس منصور تدعيم موقفه من الأدب النسائي بذلك الاعتراف المشين الذي صاغه بأسلوب يجعل من مرتكبيه روادَ ملاهٍ، لا يلوون على شيء سوى التسلية والمرح؟!
بيد أن إنكاره لاسم الكاتبة دعوة للبحث والتشكيك، ووضع الكثيرات محل شك واتهام.
تعامل أنيس منصور مع أنظمة قمعية لا تقبل النقد، وقد عاش في حيرة من أمره بين تجميل التشوهات الظاهرة للنظام، وبين الاعتراف بالحقيقة للتاريخ. وقد أبدع بخبث صحفي لا يمكن إنكاره، فلقد ذكر كل عيوب الأنظمة التي عاصرها مضفرة في جماليات لا يمكن الفصل بينها، إلا أن يتلقاها قارئ واعٍ.
ولطالما كان بيننا قراء على درجة من الوعي، تلقفوا اعترافاته ووضعوها في نصابها الصحيح، كمثل مرافقته لجمال عبد الناصر في العمرة لغرض تجميل الصورة الدينية في عيون من رأوه سببًا للنكسة، فقال البعض إن هذا ذنب الإسلاميين. فأراد أن يثبت لهم أنه ليس أقل إسلامًا ممن يتهمونه في دينهم.
أي نهج اعتنقه أنيس منصور بتعمده غرس بذور الشك والحيرة، والوقوف في منتصف الحبل الرفيع ما بين السخرية والجد؟
ومن العجب أنه لا أحد تمكن من اكتشاف ذلك المزيج المبهم المعالم لكتابات المثقفين الثلاثة!!





















