حظيت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر باهتمام واسع من الصحف الفرنسية والعالمية، التي تناولت أبعادها السياسية والرمزية، ولا سيما في ظل التطورات المتسارعة في قطاع غزة، وأهمية الدور المصري في إدارة الأزمة.
فرنسا ومصر: شراكة استراتيجية في لحظة فارقة
في تقرير موسّع، وصفت صحيفة لوفيجارو الفرنسية مصر بـ”الحليف الاستراتيجي الكبير” لفرنسا، مشيرة إلى أن زيارة ماكرون تأتي لتجديد الالتزام الفرنسي بهذه الشراكة، في ظل واقع إقليمي شديد التوتر. وأكدت الصحيفة أن ماكرون يواصل جهوده من القاهرة للدعوة إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، ويعمل على دعم الجهود الإنسانية في غزة، من خلال زيارته المرتقبة يوم الثلاثاء إلى مدينة العريش القريبة من القطاع.
لوفيجارو اعتبرت أن ماكرون يسعى إلى ترسيخ مسار أوروبي مستقل في قضايا المنطقة، بعيدًا عن هيمنة السياسة الأمريكية التي يمثلها الرئيس دونالد ترامب، وخصوصًا في ظل استمرار العدوان على غزة، ما يعزز أهمية الشراكة مع القاهرة بوصفها طرفًا إقليميًا فاعلًا ومؤثرًا.
قمة ثلاثية ورسائل إقليمية
أبرزت الصحف الفرنسية أيضًا أهمية القمة الثلاثية التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، لمناقشة تطورات الأوضاع في غزة، وتنسيق الجهود الإقليمية والدولية لوقف العدوان، وضمان إيصال المساعدات، ودعم خطة إعادة الإعمار.
وأكدت شبكة فرنس إنفو أن زيارة ماكرون الرسمية الرابعة إلى مصر خلال ثماني سنوات تأتي قبل شهرين من المؤتمر الدولي حول “حل الدولتين”، الذي ستنظمه الأمم المتحدة برئاسة فرنسية – سعودية مشتركة، ما يضفي على الزيارة بُعدًا استباقيًا لتشكيل موقف أوروبي – عربي موحّد تجاه القضية الفلسطينية.
رسائل رمزية: من خان الخليلي إلى العريش
جولة الرئيسين السيسي وماكرون في منطقة خان الخليلي والحسين وسط القاهرة القديمة، تصدّرت العناوين العالمية، ووصفتها الصحف الفرنسية بأنها “رمزية بامتياز”، حيث حملت رسائل تؤكد على عمق العلاقة بين البلدين، والانفتاح الشعبي والثقافي بين الجانبين.
كما لاقت تغريدة ماكرون على منصة “إكس”، عقب زيارته خان الخليلي، تفاعلًا واسعًا، خاصة بعد أن أعرب فيها عن شكره للرئيس السيسي والشعب المصري على حفاوة الاستقبال، ونشر صورته أمام أحد المعالم التاريخية في قلب القاهرة.
وفي لفتة رمزية أخرى، ذكرت صحيفة لاكروا أن ماكرون سيزور مدينة العريش يوم الثلاثاء، لإجراء محادثات مع الجهات الإنسانية والأمنية بشأن الأوضاع في غزة، في زيارة وصفتها بأنها “قريبة جدًا من قلب الحدث”، وتؤكد جدية فرنسا في دعم وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية.
الصحف الفرنسية: شراكة تتجاوز البروتوكول
وأشارت صحيفة لاكروا إلى أن ماكرون يسعى من خلال هذه الزيارة إلى ترسيخ تحالف استراتيجي مع القاهرة، بوصفها حائط صد في وجه تصعيدات الإقليم، لا سيما في ظل ما وصفته الصحيفة بـ”تراجع خطاب مصر حول حقوق الإنسان”، وتحديات الديمقراطية في الداخل، إلا أن باريس ترى في مصر فاعلًا محوريًا لا يمكن تجاهله.
في السياق ذاته، أشار المعارض المصري أكرم يوسف، مؤسس حزب “الخبز والحرية”، في تصريحات للصحيفة، إلى أن الجميع يعيد النظر في تحالفاته في ظل ما يحدث في فلسطين، وأن ماكرون يحاول أن يرسم طريقًا مستقلًا لأوروبا خارج التبعية الأمريكية، مستشهدًا بعمق العلاقة بين باريس والقاهرة.
الطائرات الرافال و”الدبلوماسية الجوية”
تداولت وسائل إعلام دولية صور طائرات “رافال” المصرية وهي ترافق طائرة الرئيس الفرنسي لدى دخوله المجال الجوي المصري، في مشهد وصفته سكاي نيوز بأنه “رمز قوي للشراكة العسكرية”، ونقلته عدة مواقع مرفقًا بفيديوهات حصدت آلاف المشاهدات.
وتزامنًا مع بداية الزيارة، استهل ماكرون جولته بزيارة خاصة إلى المتحف المصري الكبير، الذي سيفتتح رسميًا في يوليو المقبل، حيث اعتبره أحد رموز الحضارة المصرية وقوة مصر الناعمة التي تعزز من موقعها في العلاقات الدولية.
زيارة ماكرون إلى مصر، كما تراها الصحافة الفرنسية، ليست مجرد زيارة رسمية تقليدية، بل هي تحرك مدروس في لحظة إقليمية حرجة، تحمل رسائل سياسية، ودبلوماسية، وإنسانية، وعسكرية، تُظهر باريس والقاهرة كقطبين في معادلة الشرق الأوسط الراهنة.
وإذا كانت غزة هي البوصلة المعلنة لهذه الزيارة، فإن شراكة القاهرة – باريس تبدو على المدى البعيد أكثر عمقًا، في ظل تحولات إقليمية ودولية تفرض على الجميع إعادة ترتيب تحالفاته وصياغة أولويات جديدة






















