في أحد جوانب مبنى ماسبيرو، لا ترقد مجرد أشرطة قديمة غطّاها الغبار، بل تستقر ذاكرة وطن كاملة، أصوات رؤساء وزعماء، وخطب تاريخية، وتلاوات نادرة لكبار القراء، وأعمال درامية صنعت وجدان المصريين، وحفلات لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وتغطيات وثّقت الحروب والانتصارات والتحولات السياسية والاجتماعية على مدار عقود.
هذه الكنوز، التي سجّلت تاريخ مصر بالصوت والصورة، تواجه اليوم سباقًا مع الزمن، بعدما أصبحت كثير من وسائط الحفظ التقليدية مهددة بالتلف بفعل تقادمها، وهو ما دفع الدولة إلى إطلاق مشروع رقمنة تراث الإذاعة والتليفزيون المصري، في محاولة لإنقاذ واحدة من أكبر المكتبات الإعلامية في المنطقة العربية.
وخلال المؤتمر الذي عقدته الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، أعلنت تفاصيل المشروع، الذي يأتي تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويستهدف تحويل أرشيف الإذاعة والتليفزيون إلى منظومة رقمية حديثة تضمن الحفاظ عليه وإتاحته للأجيال المقبلة.
مليون شريط و800 ألف ساعة
بحسب ما أعلنته الهيئة، يشمل المشروع إنشاء قواعد بيانات رقمية لحصر وفهرسة ما يقرب من مليون شريط صوتي ومرئي، تضم نحو 800 ألف ساعة من المحتوى، مع استخدام أحدث التقنيات لتحويل المواد من الوسائط التقليدية إلى صيغ رقمية عالية الجودة، إلى جانب توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الفهرسة والتصنيف وإدارة الأرشيف، بما يضمن سرعة الوصول إلى المحتوى وحمايته من التلف أو الفقد.
ويمثل هذا الأرشيف أحد أكبر الأصول الثقافية والإعلامية في مصر، إذ يوثق محطات سياسية وتاريخية وفنية ودينية امتدت لعشرات السنين، ويضم تسجيلات نادرة يصعب تعويضها إذا تعرضت للتلف.
من الذاكرة إلى القوة الناعمة
ويرى الكثير أن نجاح المشروع قد يعيد توظيف القوة الناعمة المصرية بصورة أكثر عصرية، خاصة إذا جرى تقديم هذا التراث عبر منصات رقمية حديثة تستهدف الأجيال الجديدة داخل مصر وخارجها.
وفي هذا السياق، أكد خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن قيمة المشروع لا تقتصر على حفظ التراث من الضياع، وإنما تمتد إلى إعادة تقديمه بصورة مبتكرة تواكب وسائل المشاهدة الحديثة، بما يضمن تعريف الأجيال الجديدة بما يحمله هذا الأرشيف من إرث إعلامي وثقافي كبير.
التحدي الحقيقي
ورغم أهمية المشروع، يبقى التحدي الحقيقي في استكمال مراحل التنفيذ وفق أعلى المعايير الفنية، مع توفير الحماية الرقمية للأرشيف، ووضع آليات واضحة للاستفادة منه وإدارته، حتى لا تتحول الرقمنة إلى مجرد عملية حفظ إلكتروني، بل إلى مشروع وطني يعيد إحياء ذاكرة مصر الإعلامية.
فبين أشرطة تجاوز عمر بعضها نصف قرن، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تدخل لأول مرة بهذا الحجم إلى أرشيف ماسبيرو، تقف مصر أمام فرصة تاريخية لإنقاذ جزء مهم من ذاكرتها الوطنية، وتحويله من تراث مهدد بالتلف إلى إرث رقمي قادر على البقاء لعقود قادمة.





















