منذ شهور اجتمع قادة دول كبيرة في شرم الشيخ، ومنهم الرئيس الأمريكي، في المؤتمر تم الاتفاق على حل مشكلة غزة على مراحل وأهم نقطة كانت وقف القتل والتدمير الإسرائيلي. لكن إسرائيل البلطجية لم تأبه بما تم الاتفاق عليه واستمرت تضرب الفلسطينيين وتقتلهم وتدمر ما تبقى من أرضهم، ولا أحد يتدخل لوقف عدوانها الدائم الذي لا يتوقف في أي ظرف.
ما يجري في غزة اليوم لا يمكن قبوله بوصفه ردًا أمنيًا أو حربًا دفاعية كما تحاول إسرائيل تسويقه، بل تعبير صارخ عن حالة انفلات سياسي وأخلاقي لدولة تشعر بأنها فوق القانون الدولي وفوق أي مساءلة. فرغم المؤتمرات الدولية التي عقدت، والاتفاقات التي أُعلن عنها، والوعود التي قطعت في القاهرة وغيرها من العواصم، تواصل إسرائيل قتل الأطفال وتدمير ما تبقى من بنية الحياة في غزة، في رسالة واضحة مفادها أن هذه الاتفاقات لا تمثل لها سوى أوراق بلا قيمة طالما أن ميزان القوة يميل لصالحها، خاصة بعد ما قامت بقتل كل قادة المقومة من الصف الأول.
إن استمرار العدوان الإسرائيلي بهذه الصورة، وعدم مبالاتها بما تم الاتفاق عليه، يوحي بأن الاتفاق كان مرتبا لتهدئة الرأي العام العالمي الغاضب، وإلزام الدول العربية بأوراق واتفاقات تحد من حركتها في أي اتجاه، وإطلاق يد إسرائيل في غزة لتنفيذ مخطط الإبادة والتهجير. كما أن هذا العدوان المستمر لا ينفصل عن هدف استراتيجي ثابت، يتمثل في ممارسة أقصى درجات الضغط على المجتمع الفلسطيني لدفعه نحو اليأس، ومن ثم القبول بخيارات قسرية.
فالتدمير المنهجي للمنازل والمستشفيات والمدارس لا يخدم أي غاية عسكرية بقدر ما يستهدف كسر الإرادة الجماعية وتحويل الحياة في غزة إلى عبء لا يحتمل. وفي هذا السياق، لا يبدو الفلسطيني مجرد ضحية حرب، بل ضحية مشروع سياسي يسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والديموجرافيا بالقوة.
تستفيد إسرائيل من عجز النظام الدولي عن فرض قراراته، ومن ازدواجية المعايير التي تجعل دم الطفل الفلسطيني أقل وزنا في ميزان السياسة العالمية. فالدول التي تتحدث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان تكتفي بالإدانة اللفظية، بينما تواصل علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع دولة الاحتلال، ما يكرس شعورا إسرائيليا عميقا بالإفلات من العقاب. هذا الشعور هو ما يشجعها على الاستمرار في عدوانها، لا قوة حججها ولا شرعية أفعالها.
ما يجري في غزة في ظل الممارسات الإسرائيلية الدموية، تتطلب طرح السؤال والتصور عن كيفية ردع إسرائيل، هو سؤال معقد لا يحتمل إجابة بسيطة. فالمقاومة المسلحة، رغم محدودية قدرتها على إحداث تغيير استراتيجي شامل، تظل بالنسبة للفلسطينيين تعبيرًا عن رفض الاستسلام، ورسالة بأن الاحتلال لن يكون بلا كلفة. لكنها في الوقت نفسه لا تكفي وحدها لردع دولة تمتلك تفوقًا عسكريًا، وغالبًا ما تستغل لتبرير مزيد من القتل والتدمير بحق المدنيين. في المقابل، تبدو المقاومة السلمية أكثر قدرة على فضح الطابع الاستعماري والعنصري للاحتلال، لكنها تصطدم بواقع دولي مستعد لغض الطرف عن القمع طالما أنه صادر عن حليف استراتيجي.
الردع الحقيقي لإسرائيل لا يتحقق بالسلاح وحده ولا بالاحتجاج السلمي وحده، بل بتراكم الضغوط السياسية والقانونية والأخلاقية التي تجعل كلفة العدوان أعلى من مكاسبه. إسرائيل، في جوهر سلوكها، دولة شديدة الحساسية لصورتها الدولية ولمكانتها في النظام العالمي، لكنها لا تتراجع إلا عندما تشعر بأن هذه المكانة مهددة فعليا، لا خطابيا. ومن هنا، فإن أي حديث جدي عن الردع يظل ناقصا دون وحدة فلسطينية تعيد تعريف المشروع الوطني، ودون موقف عربي رسمي يتجاوز حدود الشجب إلى الفعل السياسي المؤثر.
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط حجم الدمار في غزة، بل الرسالة التي تهدف إلى تكريسها، وهي أن القوة وحدها ما يكتب القواعد، وأن الشعوب الضعيفة لا حق لها في البقاء أو الزوال إلا وفق مشيئة الأقوى. غير أن التاريخ يعلمنا أن هذا المنطق، مهما بدا راسخًا، لا يدوم إلى الأبد.
فالقضية الفلسطينية، رغم كل محاولات تصفيتها، ما زالت حاضرة لأنها قضية شعب يرفض الاختفاء، ولأن الظلم، مهما طال، يظل عاجزًا عن التحول إلى شرعية.





















