كأننا كُتبنا في السطر ذاته،
رغم أن المدن بيننا كصفحات مغلقة،
رغم أن الدروب لم تلتقِ إلا عند حافة الغياب.
رنَّ الهاتف، ولم أكن مستعدة
لأصغي لأحد في هذه اللحظة،
كنتُ أستعيد وجهي في عيون أمي،
أحصي فوق قبرها مواسم الرحيل،
وأُخبرها كم كبرتُ دونها.
قلتَ لي: “أنا أيضًا هنا… عند قبر أمي.”
وكأن الأرض ضاقت لتصير كفًّا تحتضن حزنَين،
وكأننا عبرنا إلى بعضنا عبر فجوة في الزمن،
حيث الأمهات يُصغين إلينا من خلف الغيم.
توقّف الزمن لحظة،
اتّسعت المسافة حتى ضاقت،
تشابكت الأرواح كما لو أن الفقدَ خيطٌ واحد
يمرُّ بنا معًا،
يلتفُّ حول أعناقنا ولا يخنقنا،
بل يقرّبنا أكثر من الحياة،
أكثر من الحزن،
أكثر منّا.
تحدثنا طويلًا،
من العصر حتى أطفأ المغرب ظلاله،
لم يكن المساء يعني شيئًا،
ولا الليل،
ولا المدن،
ولا أننا غريبان من وطنين مختلفين.
حكيتُ لكَ كيف كانت تُشعل مواقد الحنان في قلبي،
وكيف تشبه ضحكتُها أغنية لا تنتهي.
وحكيتَ لي كيف كانت تلمّ شتاتكَ بكلمة،
وكيف صرتَ رجلًا لا يزال صغيرًا في عينيها.
حكيتُ لكَ كيف كانت تقيم في روحي كدعاء،
وكيف أنني، كلما تهتُ، أبحثُ عن يديها في الهواء.
حكيتَ لي كيف كانت تمشط قلبَك بصوتها،
وكيف ظلتْ رغم الغياب ترتّب خطاكَ في الحياة.
تبخّرت المسافات،
ذابت الحدود،
وبات حزنُنا واحدًا،
كأننا تقاسمنا اليُتم كما يتقاسم العشاق قلوبهم.
كان كل حرف بيننا صلاة،
كل تنهيدة نايًا من أنين الروح،
كل ذاكرة جسرًا يعبر بنا إلى حيث هنّ لم يرحلن.
وعندما أمطرت عندي،
شعرتُ أنك أقرب من المسافة،
أن المطر ليس ماءً، بل رسائل لم تكتمل،
أن السماء تبكي بصوتين،
واحد لي، والآخر لك.
أن السماء تبكي بصوتين،
واحد لي، والآخر لك..
لم يكن هذا اللقاء صدفة،
بل وعدًا مكتوبًا في سرّ الغياب،
موعدًا رتّبته الأمهاتُ من حيث لا نعلم،
ليلتقي حزنٌ بحزن،
وقلبٌ بقلب،
ودمعةٌ بأخرى… في منتصف المطر.
بقينا معًا،
أنا هنا،
أنتَ هناك،
والسماء بيننا تنهمر،
تبكي… ثم تبتسم،
كأنها تبارك هذا الحنين.





















