حين يتحوّل الاغتراب من فرصة إلى شعور مُرّ بالتهميش
لم يعد شعور الغربة مقصورًا على حدود الوطن، بل بات إحساسًا مضاعفًا يلازم ملايين المصريين في الخارج، غربة عن الوطن وهم بعيدون، وغربة أشد وهم يحاولون الاقتراب، فعلى مدار سنوات، ظل ملف المصريين بالخارج واحدًا من أكثر الملفات حيوية وتأثيرًا على الاقتصاد والأمن القومي والقوة الناعمة للدولة، لكنه في الوقت ذاته من أكثرها تعثرًا وإخفاقًا في الإدارة والتنفيذ.
رغم الشعارات الرسمية المتكررة حول ” الاهتمام بالمصريين بالخارج” ، فإن الواقع يكشف فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة، تأخر إقرار قانون الهجرة الجديد منذ عام 2014 حتى اليوم يُعد نموذجًا صارخًا لبطء الاستجابة التشريعية لقضايا تمس ملايين المواطنين خارج الوطن ، قانون كان من شأنه تنظيم أوضاع الهجرة، تنظيم الجاليات وإيجاد شرعية لها،وحماية حقوق العاملين بالخارج، وتحديث آليات التواصل والتمثيل، لكنه ظل حبيس الأدراج، بينما تتراكم المشكلات وتتعقد ، وجاء قرار حل وزارة الهجرة ودمجها في وزارة الخارجية المثقلة أصلًا بأعباء سياسية ودبلوماسية ومالية جسيمة ليزيد من حالة الارتباك، فالملف الذي يحتاج إلى تفرغ ورؤية تنفيذية متخصصة، أصبح جزءًا من حقيبة مزدحمة، ما انعكس سلبًا على مستوى الخدمات والمتابعة والتنسيق.
أحد أبرز أوجه الأزمة يتمثل في تمثيل المصريين بالخارج تمثيلًا لا يعكس آمالهم ولا تطلعاتهم، ولا أعدادهم ،فالاختيارات في القوائم والهيئات الاستشارية غالبًا ما تتم عبر بوابة الحزبية السياسية أو العلاقات، لا عبر معايير الكفاءة والعمل العام الحقيقي في دول المهجر، والنتيجة أصوات لا تمثل القاعدة العريضة من المغتربين، ولا تنقل مشكلاتهم بصدق أو شجاعة ،ويتزامن ذلك مع تكبيل الاتحادات والكيانات المصرية في الخارج، وغياب التنسيق المؤسسي الجاد مع الجهات المعنية في الداخل، فضلًا عن تضارب المصالح وغياب الرقابة الفعالة، وقد ظهر هذا الخلل بوضوح في نسب المشاركة الانتخابية للمصريين بالخارج، حيث تراجعت بشكل ملحوظ، مع إحجام أعداد كبيرة عن التصويت، بعد أن كان التفاؤل حاضرًا في مراحل سابقة، نتيجة شعور عام بأن الحكومة لم تراعِ مطالب المصري في الخارج ولم تصغِ لصوته.
تتعمق أزمة المصري في الخارج حين ننتقل إلى ملف التواصل مع الحكومة متمثلة حاليا في وزارة الخارجية، الذي تحوّل من حق أصيل إلى مطلب رمزي، فبعد سنوات من الحديث عن قنوات اتصال مؤسسية، بات أقصى أمل الجاليات المصرية اليوم هو الحصول على اجتماع افتراضي عبر زووم مع أحد المسؤولين، اجتماع ينتهي غالبًا دون قرارات ملزمة أو آليات تنفيذ أو متابعة حقيقية،أما مؤتمرات الهجرة، التي وصلت إلى نسختها الثامنة، فقد فقدت كثيرًا من زخمها ومصداقيتها لدى قطاع واسع من المصريين بالخارج، فبحسب ما طُرح في جلساتها المتعاقبة من وعود ومبادرات، لم يتحقق على أرض الواقع سوى ما لا يتجاوز 12% مما جرى الإعلان عنه ومناقشته، بينما ظلت الملفات الجوهرية معلّقة بلا حلول واضحة.
في مقدمة هذه الملفات يأتي ملف نقل جثامين المصريين المتوفين بالخارج، وهو ملف إنساني بحت، وحق مكتسب بالولادة ،لا يحتمل البيروقراطية ولا التسويف، ومع ذلك لا يزال خاضعًا لاجتهادات فردية ومبادرات أهلية، في ظل غياب منظومة حكومية واضحة وسريعة تحفظ كرامة المواطن حيًا وميتًا، كما يبرز ملف حق العامل المصري بالخارج في حفظ تعاقده حال نشوب خلاف مع الدولة المضيفة أو جهة العمل، وهو حق مكفول في كثير من الدول التي تحترم عمالتها المهاجرة، بينما يظل العامل المصري في حالات كثيرة بلا مظلة حماية قانونية فعّالة، وبلا دعم مؤسسي حقيقي من دولته.
وعلى صعيد التشغيل الخارجي، تعاني الحكومة من شلل شبه كامل في ملف الإعارات والتعاقدات الخارجية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشرين عامًا، حين كانت الإعارات المصرية رافدًا مهمًا للعملة الصعبة وأداة استراتيجية لتصدير الخبرات الوطنية، اليوم تغيب وزارات القوى العاملة كونها المختصة ،وقطاع الهجرة عن لعب دور فاعل في تدبير تعاقدات جديدة تستوعب الأعداد الهائلة من شباب الخريجين الجدد، رغم امتلاك مصر لقوى بشرية مؤهلة وقادرة على العمل بكفاءة عالية في كبرى الشركات حول العالم، هذا الفراغ فتح الباب أمام الهجرة غير المنظمة والعشوائية، وزاد من حوادث التهرب والهجرة غير الشرعية وما خلفها من ضحايا وابرياء ، وأسهم في نزيف متصاعد للكفاءات الوطنية، خاصة من خريجي كليات الطب والصيدلة والهندسة المعمارية، الذين يهاجرون بحثًا عن بيئة مهنية تحترم علمهم وتضمن مستقبلهم، بدل أن يكونوا جزءًا من رؤية وطنية منظمة لتصدير الكفاءات وحمايتها.
في ملفات الاستثمار، والتأمينات الاجتماعية للعاملين بالخارج، ومشروعات مثل “شركة المصريين بالخارج” و“أراضي بيت الوطن”، لا تزال المشكلات قائمة دون حلول جذرية، ما خلق حالة من الشك والقلق لدى شريحة واسعة من المغتربين تجاه الشراء والاستثمار في مصر، وأضعف الثقة في الوعود الرسمية، في ظل غياب الشفافية وسرعة الحسم،
والأخطر من ذلك هو الإحساس المتنامي بالاستخفاف بعقول المغتربين، عبر استخدام شعارات رنانة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، ولا تليق بدولة تسعى إلى بناء شراكة حقيقية مع أبنائها في الخارج.
لقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة ضرورة الاهتمام بالمصريين في الخارج، وتعظيم الاستفادة من خبراتهم، وحمايتهم ورعاية مصالحهم، باعتبارهم رصيدًا استراتيجيًا للدولة المصرية ،ومصدر أساسي لا يمكن تجاهله في دعم الاقتصاد الوطني ،فلقد وصلت تحويلات المصريين بالخارج لأكثر من 34 مليار دولار ، غير أن الفجوة ما زالت قائمة بين هذه التوجيهات الواضحة وبين الأداء التنفيذي على الأرض، ما يطرح تساؤلات جدية حول آليات المتابعة والمساءلة وتحمّل المسؤولية.
إن استمرار إدارة ملف المصريين بالخارج بهذا الشكل لا يمثل فقط إخفاقًا إداريًا، بل خسارة وطنية فادحة، فالمصري بالخارج ليس رقمًا في قوائم التحويلات، بل شريك في التنمية، وقوة ناعمة، وامتداد طبيعي للدولة في الخارج، وإلى أن تتحول الوعود إلى سياسات، والاجتماعات إلى قرارات، سيظل السؤال المؤلم مطروحًا:
كيف يكون المصري بالخارج حاضرًا بقوة… وغريبًا في بلده؟






















