رئس مجلس أمناء مؤسسة تمكين للتنمية المستدام
في كثير من النزاعات الأسرية، لا يتوقف الخلاف عند حدود العلاقة بين الزوجين، لكنه يمتد ليطال تفاصيل أكثر حساسية في حياة الأبناء، وعلى رأسها التعليم، حيث لا يعود الأمر مجرد إجراء قانوني أو قرار إداري، بل يتحول إلى قضية تمس مستقبل طفل قد يجد نفسه فجأة في قلب معركة لم يخترها.
من يحدد مدرسته؟ من يقرر مستواه التعليمي؟ ومن يملك الكلمة الأخيرة في رسم ملامح مستقبله الدراسي؟
القانون حاول أن ينظم هذه المسألة من خلال ما يُعرف بالولاية التعليمية باعتبارها جزءًا من الولاية على النفس، وفي حالات الانفصال اتجهت التشريعات الحديثة إلى منح هذا الحق للحاضن، وغالبًا ما تكون الأم، بوصفها الأقرب لتفاصيل حياة الطفل اليومية والأكثر احتكاكًا بمستواه الدراسي واحتياجاته، ولم يأتِ هذا التوجه من فراغ، بل كنوع من الحماية للصغير من أن يتحول التعليم إلى وسيلة ضغط أو أداة للمساومة بين طرفين انتهت علاقتهما وبقي الطفل بينهما.
ومع ذلك، ورغم وضوح النصوص، تبقى الحقيقة الأهم أن القانون يمكنه أن ينظم العلاقة لكنه لا يستطيع أن يصنع ضميرًا، فالولاية التعليمية في جوهرها ليست سلطة مطلقة بقدر ما هي مسؤولية يجب أن تُمارس بوعي، والفارق بين الاثنين كبير.
ليس من العدل أن يُدفع الطفل إلى مستوى تعليمي لا يتناسب مع القدرة المادية للأب لمجرد إثبات موقف أو الانتصار في خلاف، كما أنه ليس من المقبول أن يُجبر على تغيير مساره الدراسي بشكل مفاجئ فقط بدعوى تخفيف الأعباء، لأن الاستقرار التعليمي ليس رفاهية بل هو أحد أهم عناصر الأمان النفسي التي يحتاجها الطفل لينمو بشكل طبيعي.
وعندما يصل الخلاف إلى طريق مسدود، ويعجز الأبوان عن التوافق، يتدخل القضاء، لا ليحسم صراعًا بين طرفين بقدر ما يسعى لحماية مصلحة الصغير، حيث لا ينطلق القاضي من نصوص جامدة فقط، بل ينظر إلى البيئة الاجتماعية، ومستوى المعيشة، ومدى استقرار الطفل، وأحيانًا إلى حالته النفسية، وقد يؤخذ برأيه إذا كان في سن يسمح له بالتعبير، وهنا يتحول الحكم من مجرد قرار قانوني إلى محاولة لإعادة التوازن لما اختل.
لكن بعيدًا عن النصوص والأحكام، يبقى هناك جانب إنساني لا يُكتب في القوانين ولا يُحسم داخل قاعات المحاكم، طفل يشعر أنه سبب الخلاف، أو أنه مجرد ملف يتم نقله من مدرسة إلى أخرى، هو طفل يدفع ثمنًا أكبر بكثير من أي قرار تعليمي، لأن القضية في حقيقتها لا تتعلق بنوع التعليم بقدر ما تتعلق بشعوره بالأمان والاستقرار والانتماء.
في النهاية، التعليم لا يجب أن يكون ساحة صراع، ولا ورقة ضغط تُستخدم في لحظة غضب، قد تنتهي العلاقة بين الأب والأم، لكن مسؤوليتهما تجاه أبنائهما لا تنتهي، ويظل القرار الدراسي في جوهره ليس حقًا يُنتزع، بل أمانة يجب الحفاظ عليها، لأن كرسي الدراسة لا يجب أبدًا أن يتحول إلى ساحة معركة.





















