تشهد المنظومة التعليمية في مصر تحولًا جوهريًا بإدراج مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية في المرحلة الثانوية، في خطوة تهدف إلى مواكبة التطورات العالمية، وإعداد جيل قادر على المنافسة في سوق العمل المحلي والدولي.
وبينما تعتبر الخطوة نقلة نوعية في تاريخ التعليم المصري، فإنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات ومخاوف بين المعلمين بشأن آليات التنفيذ والتدريب والتوزيع.

صوت المعلمين: قرارات البرمجة والذكاء الاصطناعي دون استعداد كافٍ
في تصريح خاص لموقع “الحرية”، قالت “م.أ” إحدى معلمات الحاسب الآلي، التي تعمل في تدريس المادة منذ 22 عامًا، إن إدخال مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي جاء دون دراسة كافية، مشيرة إلى أن المدرسين لم يتلقوا حتى الآن التدريب الكافي على المناهج الجديدة، في حين أن الدراسة على وشك الانطلاق خلال أيام.
وأوضحت المعلمة أن هناك حالة من التخبط في تحديد عدد الحصص المقررة للمادة، فبينما ترددت أنباء عن كونها حصة واحدة أسبوعيًا، تحدثت مصادر أخرى عن تخصيص أربع حصص، ما يترك المعلمين في حالة قلق من احتمالية إعادة توزيعهم على مدارس أخرى لاستكمال النصاب.
وأضافت: “كل المواد الأخرى استلمت مناهجها الجديدة بوقت كافٍ، إلا أننا لم نحصل على أي تفاصيل واضحة عن مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي، لا من حيث المحتوى ولا من حيث عدد الحصص.”
وأكدت المعلمة أن المعلمين بحاجة إلى نظرة تقدير من الوزارة، خاصة في ظل المجهود الكبير الذي يبذلونه لرفع كفاءتهم بأنفسهم، مشيرة إلى أن غياب التخطيط المسبق قد يعرقل نجاح التجربة رغم أهميتها البالغة.

وقال الأستاذ ” أ.ك” أحد المعلمين في مدرسة ثانوية بالزقازيق إن ” القرار جاء فوق طاقة المعلمين، خاصة وأن الوزارة لم تحدد حتى الآن عدد الحصص أو الشكل النهائي للمنهج، مما يجعلنا نعمل في حالة من الغموض التام.”
وأضاف أن “المدرسين أصبحوا في حالة قلق شديد؛ فالتغيير لم يأتِ بالتدريج كما هو متعارف عليه، بل فُرض بشكل مفاجئ دون تدريب عملي كافٍ أو توفير الأدوات التكنولوجية اللازمة داخل الفصول.”
وشدد الاستاذ ” ط.ج” على أن إدخال المادة يجب أن يسبقه حوار مجتمعي وتدريب مكثف للمعلمين، بالإضافة إلى توفير الأدوات التكنولوجية اللازمة داخل المدارس.
وأكمل الأستاذ “لا يمكن أن نُحاسَب على نتائج مادة جديدة بينما لم نتسلم منهجها بعد،” هكذا علّق أحد المعلمين في مدرسة ببلبيس، مطالبًا الوزارة بمزيد من الشفافية والتخطيط.
رؤية الوزارة: البرمجة والذكاء الاصطناعي ضرورة وليست رفاهية
من جانبه، أكد الدكتور محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، خلال إطلاق أولى التدريبات المخصصة لمعلمي الحاسب الآلي، أن تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة ملحة لأي طالب يسعى لمستقبل واعد.
وأضاف أن من لا يتقن هذه المهارات سيتأخر عن أقرانه على مستوى العالم.
وشدد الوزير على أن الوزارة لا تسعى لتخريج متخصصين في هذا المجال فحسب، بل لإكساب جميع الطلاب المهارات الرقمية التي باتت مطلوبة في كل مهنة.
وأوضح أن إدخال المادة جاء تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة مواكبة أحدث التطورات التكنولوجية، مشيرًا إلى أن الامتحانات في المادة ستتم عبر منصة تعليمية حديثة تمنح الطلاب شهادات دولية معتمدة.
التعاون المصري الياباني: منصة تعليمية حديثة ونظام معتمد
شهد حفل إطلاق التدريبات حضور نائب السفير الياباني بالقاهرة، ياشيرو تسوكاموتو، الذي أكد أن أكثر من 750 ألف طالب مصري سيستفيدون من النظام الياباني في تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي، عبر منصة “كويرو” التعليمية المطورة من قبل شركة “سبريكس”.
وأوضح تسوكاموتو أن التعاون بين مصر واليابان يعكس رؤية مشتركة لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم، مشيرًا إلى أن تعليم البرمجة لا ينمّي مهارات التفكير والإبداع فقط، بل يساهم أيضًا في دعم الاقتصاد الوطني وفتح آفاق جديدة للتنمية المستدامة.
إقرأ أيضًا.. نائب وزير التعليم العالي يعرض الاستراتيجية الوطنية للابتكار في معهد تيودور بلهارس

فرص تدريب دولية للطلاب المتفوقين
أعلن الوزير أن أوائل الطلاب على مستوى المحافظات في مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي سيحصلون على فرصة تدريبية مميزة عبر الفيديو كونفرانس داخل كبرى الشركات اليابانية، بما يتيح لهم الاحتكاك المباشر بالخبرات العالمية وصقل مهاراتهم العملية.
كما أشار الوزير إلى أن إطلاق منصة “كويرو” التعليمية يمثل نقلة نوعية في تطوير التعليم الثانوي، حيث يمكن للطلاب متابعة محتوى المادة بشكل تفاعلي عبر القصص والمحادثات التفاعلية، إلى جانب الاختبارات القصيرة والمراجعات الدورية، التي تساعدهم على تقييم مستواهم باستمرار.
ويبقى إدخال مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي إلى التعليم المصري فرصة ذهبية لإعداد جيل جديد يمتلك أدوات المستقبل، لكنه في الوقت ذاته تحدٍ كبير يتطلب تنسيقًا وتخطيطًا محكمًا بين الوزارة والمعلمين والمجتمع.
فبينما تفتح الخطوة آفاقًا واسعة أمام الطلاب، فإن نجاحها مرهون بتذليل العقبات أمام المعلمين، وتقديم الدعم الكافي لهم باعتبارهم حجر الأساس في هذه المنظومة.
نرشح لك: وزارة التعليم العالي تعلن فتح مرحلة تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الفنية لعام 2025






















