صرّح الخبير الاقتصادي عز الدين حسنين لـ«الحرية» أن قرار خفض الاحتياطي الإلزامي بنسبة 2% بالتزامن مع خفض أسعار الفائدة يمثل خطوة محسوبة من جانب البنك المركزي المصري ، مشيرًا إلى أن المركزي يتحمل ما وصفه بـ«ضريبة استقرار» من ميزانيته لضمان انتقال سلس إلى سياسة التيسير النقدي دون اهتزاز قاعدة الودائع في الجهاز المصرفي.
وأوضح حسنين أن احتساب تكلفة القرار يبدأ بتحديد الوعاء الخاضع للاحتياطي الإلزامي، والذي يُحسب على الودائع بالعملة المحلية (تحت الطلب، والتوفير، والودائع لأجل أقل من 3 سنوات). ووفقًا لأحدث بيانات صادرة عن البنك المركزي المصري حتى نهاية ديسمبر 2025، بلغ إجمالي الودائع غير الحكومية بالعملة المحلية نحو 9.58 تريليون جنيه.
وأضاف أنه بافتراض خضوع نحو 9 تريليونات جنيه للاحتياطي، فإن خفض النسبة بواقع 2% يعني تحرير سيولة تقدر بنحو 180 مليار جنيه كانت مودعة لدى البنك المركزي دون عائد ضمن نسبة 18% قبل القرار.
تكلفة مباشرة تُقدّر بـ35 مليار جنيه
وأشار حسنين إلى أنه مع خروج هذه السيولة من خزائن المركزي، سيضطر إلى إعادة امتصاصها عبر عمليات السوق المفتوحة بعائد يقارب 19.5% لمنع زيادة السيولة بشكل تضخمي، ما يعني دفع عوائد سنوية للبنوك تقدر بنحو 35 مليار جنيه.
واعتبر أن هذه التكلفة تمثل عبئًا مباشرًا على ميزانية المركزي، إذ تحولت الأموال من ودائع صفرية العائد إلى أموال يستحق عليها عائد لصالح البنوك.
هندسة مالية لدعم البنوك
وأوضح أن الهدف من هذه الخطوة هو تنفيذ «هندسة مالية» غير مباشرة لدعم القطاع المصرفي، عبر منح البنوك أرباحًا كانت معطلة، بما يمكنها من الحفاظ على جاذبية أسعار الفائدة على الودائع والشهادات، وفي الوقت نفسه تشجيعها على خفض تكلفة الإقراض لتحفيز الاستثمار.
وأكد أن الـ35 مليار جنيه التي يتحملها المركزي تمثل دعمًا غير مباشر لخفض تكلفة الائتمان في السوق ككل، بما يعزز النشاط الاقتصادي دون إحداث صدمة مفاجئة في سوق الودائع.
سيناريو بديل: أذون الخزانة
ولفت حسنين إلى أن البديل أمام البنوك يتمثل في توجيه السيولة المحررة لشراء أذون الخزانة بعائد يقارب 19.5% أيضًا، وهو ما سيحقق للبنوك أرباحًا مماثلة، لكن في هذه الحالة تتحمل الموازنة العامة للدولة تكلفة العائد بدلًا من البنك المركزي.
وأشار إلى أن القرار يعكس نضجًا في إدارة السياسة النقدية، إذ لم يكتفِ المركزي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس، بل أتبع ذلك بتحرير جزء من الاحتياطي الإلزامي، لضخ نحو 180 مليار جنيه في شرايين الجهاز المصرفي.
جسر تمويلي نحو النمو
واختتم حسنين تصريحه بالتأكيد على أن هذه الخطوة تمثل «تضحية نقدية محسوبة»، تهدف إلى تعويض البنوك عن انخفاض هوامش ربحها، وضمان استمرار جاذبية الأوعية الادخارية للمودعين، مع دفع تكلفة الإقراض نحو الانخفاض.
وأوضح أن الدولة، سواء عبر ميزانية البنك المركزي أو من خلال الموازنة العامة، تتحمل هذه الكلفة باعتبارها «جسرًا تمويليًا» يسمح بعبور الاقتصاد الحقيقي نحو مرحلة نمو أكثر استدامة، دون اضطراب في سوق الودائع أو ضغوط مفاجئة على الاستقرار النقدي.





















