في 26 ديسمبر الجاري، وقف الرئيس السابق لأركان جيش العدوان الصهيوني “دان حالوتس” في مؤتمر احتجاجي في حيفا المحتلة، ليقول – والحق ما شهدت به الأعداء- :” إن دولتنا خسرت الحرب أمام حماس ، وأن صورة النصر الوحيدة التي ستتحقق هي عزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو”، ليعزز فرص أهم أمنيات العام الجديد في انتصار الشعب الفلسطيني على البغي الصهيوني ، أو ما أسميه مسار “العدالة القادرة” على نموذج “القوة الباطشة” في الأراضي الفلسطينية السليبة.
أقصد بمصطلح ” العدالة القادرة” هي هذه العدالة التي تنطلق من قوة عادلة مبصرة ، قادرة على الوصول إلى إقرار انصاف دائم وعدالة متجذرة، والمقاومة الفلسطينية تقف في هذا الفسطاط حاليا بعدة وعتاد سبقهما وعي وسعي ، في مواجهة “القوة الباطشة”، التي لا تعرف إلا البطش والعدوان والتهجير والقصف والأنا المتغطرسة ووسائل الفاشية والنازية، ويمثلها ، هاهنا ، حكومة دواعش الصهاينة النازيين، بقيادة “هتلر الثاني” بنيامين نتنياهو.
لقد سجل الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في عام 2023 ، انتصارات جزئية واضحة في مسار “العدالة القادرة” ، وذلك بدءا من “ضربة القرن”، في يوم 7 أكتوبر المجيد، ومواصلة التحدي عبر قوة عادلة غير باغية، مبصرة بالواقع والأهداف المناسبة ، ومتمسكة بصمود أسطوري، وأخلاق إنسانية حضارية ، ومنجزات ميدانية عسكرية ملهمة ، وسط التفاف شعبي على المستويين العربي والغربي، له ما بعده .
في المقابل أخفقت”القوة الباطشة” في تحقيق أهدافها المعلنة، وتكبد جيش العدوان الصهيوني خسائر مؤلمة ، مما دفعه إلى إبلاغ المستوى السياسي في 27 ديسمبر الجاري بأن العام الجديد 2024 ، سيكون “عام حرب” ، تأكيدا لفشله العسكري بعد تركيزه فقط في ارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية ضد المدنيين والأطفال والنساء ، وفي تزايد للتكلفة الاقتصادية نتيجة استمرار”استدعاء قوات الاحتياط والتأثير على المرافق الاقتصادية المدنية، وعلى جهاز التعليم واستمرار نزوح سكان (غلاف غزة) المحتل ، والبلدات القريبة من الحدود اللبنانية ، وفق ما ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
وبحسب التقديرات الرسمية، فإن تكلفة استمرار العدوان الصهيوني على قطاع غزة، على الأرجح تبلغ ما لا يقل عن (14 مليار دولار) أخرى في عام 2024، وستؤدي،بحسب المراقبين، إلى زيادة عجز ميزانية الكيان الغاصب ثلاثة أمثال تقريبا، بالتزامن مع توقعات من وكالة “موديز” بارتفاع معدل التضخم الصهيوني ، وهي توقعات وصفتها صحيفة “جلوبز” الاقتصادية العبرية بـ”القاسية”، بجانب أثر معركة “طوفان الأقصى” على تعطيل المدد إلى الصهاينة عبر الموانئ على السواحل الفلسطينية المحتلة، خاصة أن الاحتلال يستورد نحو 3 أضعاف مما يصدره.
في نفس السياق ، أكد موقع “ستراتفور” الاستخباراتي الأميركي المنحاز قلبا وقالبا إلى الكيان الصهيوني في توقعاته السنوية للعام الجديد، إصرار الكيان على مواصلة عدوانه حتى تحقيق أهدافه الخيالية الأولى، مع البحث عن شريك خائن يستطيع إدارة غزة لصالحه لكنه اضطر إلى الاعتراف بقدرة المقاومة الفلسطينية على الاستمرار في التحدي ونقل المعركة إلى الضفة كذلك، ووجود عقبة إعادة الإعمار أمام المحتل في حال تنفيذه لأوهامه، وهو ما يفضح المكر الصهيوني الذي يطلب بإلحاح هدن جديدة بينما هو يضمر الشر لعام مقبل.
وبناء عليه، فإن على جميع أصدقاء القضية الفلسطينية في الشرق والغرب، العمل على استمرار تعزيز صمود المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ، وإنجاح سعيهم الملهم في مسار العدالة القادرة ، لإقرار العدل والحقوق، عبر استمرار المساندة الشاملة، لتقويض همجية مجلس القوة الباطشة ، والسعي إلى انكساره نزولا على مقتضيات التحرر الفلسطيني والسلام العربي والدولي.
إن انكسار نموذج “القوة الباطشة”، و نجاح مسار “العدالة القادرة” في فلسطين المحتلة، له فوائده الحضارية الإنسانية الجمة، لعل من أهمها ما قاله العلامة ابن خلدون منذ قرون : ” العدل أساس العمران، والظلم مؤذن بخرابه “، وهو ما يحتم على جميع حكماء الشرق والغرب، والمجتمعات المتحضرة ، وقف العدوان من أجل منع تمدد شريعة الغاب و ازدواجية المعايير ولعنة الدماء .
قد يحكم الضباب كل السماوات المكلومة في سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة ، لكن الوضع السياسي في الكيان الصهيوني ليس على مايرام، ودعوات الاطاحة بـ”هتلر الثاني” تتزايد، والكلفة الاقتصادية للعدوان تتصاعد ، وسوابق حرب المدن والشوارع مبشرة إلى حد كبير لأنصار التحرر، ما يجعل الفرصة سانحة لجعل العام الجديد في غزة هو عام دعم العدالة القادرة في مواجهة القوة الباطشة.
أتوقع أن ينجح عقلاء من الشرق والغرب في تسهيل هذه المهمة الحضارية لصالح الإنسانية كلها، لا فلسطين المكلومة وحدها، خاصة أن الصمود الفلسطيني انتصر على الجنون الصهيوني، وتبقى انكسار القوة الباطشة والشر المستطير، على الأرض ، أمام أبطال التحرر الصامد ، والعدالة القادرة، وإلا فالقادم عالميا أدهى وأمر.




















