“لقد دمرت الهجمات الإسرائيلية العائلات الفلسطينية وتسببت في دمار كبير لم يترك لأقارب الناجين سوى الركام ليذكّرهم بأحبائهم”، بهذه الكلمات وثقت منظمة العفو الدولية، في تقرير مبكر بعد انطلاق معركة طوفان الأقصى بأيام، حالة الانتقام الصهيونية البشعة، من العائلات الفلسطينية في قطاع غزة، وهي الحالة التي استمرت حتى اليوم، وسط نزيف فقد لا يتوقف في البيوت الفلسطينية مع صمود أسطوري من العائلات، وترابط أسري مذهل يجب أن يكون محل دراسة أكاديمية وعناية من كل العائلات المتطلعة للنجاح الأسري .
لقد سجلت وزارة الصحة في غزة ، بحسب بيان صادر السبت 20 يناير، ارتقاء 25 ألف فلسطيني، غالبيتهم من النساء والأطفال، وإصابة ما يقرب 63 ألف من بدء العدوان الصهيوني، بجانب ارتكاب العدو 14 مجزرة ضد العائلات خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية فقط ، ليضاف ذلك إلى سجل الإجرام الصهيوني الذي قتل في أول 11 يوما من العدوان نحو 400 عائلة عدد أفرادها 2163 فلسطينيا، وفق الاحصائيات الرسمية، حتى أن بعض أسر عائلات : شهاب، والنجار، والمقارنة ، ونوفل، والدلو ، مسحت بالكامل من السجل المدني الغزاوي ، ولن نجدها عقب انتهاء العدوان الصهيوني على قطاع غزة.
لقد عرفت غزة منذ زمان، ، قيمة العائلة وقدسيتها وعظمتها، وعرف الكيان الغاصب خطورة تكاتف العائلات وترابطها كحاضنة شعبية للمقاومة والكفاح، لذلك نجحت غزة في المسار العائلي وخسر الاحتلال، وخرج القطاع المحاصر في مدرسته الصامدة نماذج فوق الوصف، يرى فيها البعض نماذج خارقة ولكنها نماذج واقعية، ولدت من رحم تربية عظيمة وعلم شامل وهدف واضح، حتى صارت غزة هاشم مضرب الأمثال ونموذج النماذج لكل بيت، يريد أن يسمو على أزماته الداخلية، ويبصر الأهداف الكبرى، ليحقق الاستقرار والتكاتف في أرجائه.
إن من عرف قيمة العائلة ، عرف طريق التكاتف الأسري والعائلي مهما كان الظروف والأحوال ، فالعائلة هي بوتقة المجتمع وحصنه وصمام أمانه ، وأصله وفصله، وقوة العائلة من قوة المجتمع ، وتفكيكها هي ضربة موجعة له، والعائلات من أجل ذلك فوق كل شيء بالمجتمع ، لأنها الأصل وكل أدوات المجتمع في خدمتها.
من هذا الفهم، الذي أراه متجسدا في العوائل الفلسطينية، يمكن أن تتخطى العائلات والبيوت في مصرنا وكل مصر عربي، تحديات كثيرة في عموم الحياة، تتعثر بسببها العلاقات الزوجية والعائلية ، لأسباب تافهة أو غير تافهة، في غياب الوعي بسبل وأهمية الترابط والوفاق، وخطورة السير في طرق التفكك والشقاق والطلاق .
في مطلع الشهر الحالي، قال سكوت أندرسون، نائب مدير عمليات غزة بوكالة أونروا، في مقابلة مع قناة “سي إن إن” الأمريكية، إن “الضغط على سكان غزة هائل، ولا نعلم كم من الوقت سيتحملون هذه الظروف القاسية دون غذاء ومأوى ومياه”، فقل بربك أي ظروف قاسية تتعرض لها العائلات بالمقارنة بظروف عوائل غزة البواسل الأبطال حتى تنتشر نسب مروعة للشقاق والطلاق في أوطاننا العربية ؟!.
إن العائلات المأزومة ، في كل مكان عربي ، تحتاج إلى أن تتعلم في مدرسة غزة، كل نماذجها الملهمة، وأن يتدبروا في ثنايا المأساة مرتكزات غزة في الحياة، وما أجملها من مرتكزات عندما ينتشر الحب والوفاء والصبر والمصابرة والكرامة والترابط والتكاتف في كل البيوت.
وكما تساعدنا عائلات غزة كمدرسة ملهمة في الإصلاح المنشود للمسار الإجتماعي، فإن لها حقوق في رقبة الجميع وفي مقدمتها الحفاظ على حقها الإنساني والقانوني والديني ، في التحرر والحرية ، وحماية فلذات أكبادها ، ومساعدتها في النجاة والخلاص ، فذلك من واجب الوقت ومن متطلبات الضمير الإنساني والواجب الديني.




















