في الوقت الذي يشهد فيه الريف المصري طفرة عمرانية في البنية التحتية غير مسبوقة ضمن مبادرة حياة كريمة تظل المدن الكبرى في الصعيد وعلى رأسها محافظة أسيوط عالقة في مفارقة تاريخية بين التمدد والتراجع فعلى الرغم من إدخال البنية التحتية إلى مئات القرى وتوسعة وإنشاء المدن الجديدة مثل هضبة ناصر فلا تزال المدينة القديمة لأسيوط محاصرة بمشكلات عمرانية واقتصادية خانقة.

ومع ظهور قضايا تشريعية تحمل بعد اجتماعي في واحد من أهم الحقوق مثل حق السكن كقانون الإيجار القديم وبما أن محافظة أسيوط تعد من بين أعلى المحافظات في الصعيد بنسبة تتخطي ال 19% من حيث عدد الأسر الخاضعة لهذا القانون فيي صعيد مصر والتي يصل اجمالي عددها الي 99 ألف أسرة في الصعيد بشكل عام وهو الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر علي حركة العمران والأستثمار داخل المدينة كعاصمة للإقليم فلقد أصبح من الضروري إعادة النظر في بنية التخطيط العمراني للمدينة ووضع تصور مستقبلي متكامل يعالج هذا الخلل المتراكم إذ لا يمكن الحديث عن تنمية أو جذب للاستثمار أو حتى تفريغ الضغط عن المدينة دون مقاربة جريئة لهذا الملف تراعي العدالة الاجتماعية وتحفز الإنتاج في آن واحد
إن محافظة أسيوط بقلبها النابض في صعيد مصر تواجه اليوم تحديات عمرانية واقتصادية وسكانية معقدة تتطلب منا رؤية سياسية جادة تخرج من أسر الحلول التقليدية نحو تفكير تحويلي حقيقي.

فأكثر من نصف سكان المحافظة بنسبة 53% يعيشون في الريف بينما لا تتعدى نسبة سكان الحضر 47% مع معدل نمو سكاني في الريف يبلغ 2.4% متفوقا على معدل الحضر الذي لا يتجاوز 1.6% هذا الاختلال الديموغرافي يلقي بعبء ثقيل على الخدمات والبنية التحتية في الريف ويزيد من الضغوط على منظومة عمرانية لم تعد قادرة على الاستيعاب أو التوسع المنضبط.
في المقابل تظهر المؤشرات العمرانية أن أسيوط تصنف ضمن أعلى المحافظات في معدل استهلاك الأراضي في الحضر بواقع 3 إلى 4 فدان سنويا في ظل تراجع واضح في كفاءة التوسع الأشد خطورة أن نصيب الفرد من الكتلة العمرانية لا يتجاوز 12.52 مترا مربعا وهو رقم يعد من بين الأدنى على مستوى مدن العواصم ويؤكد وجود أزمة تخطيط عمراني حقيقية.
اقتصاديا فلا تتعدى نسبة العمالة في الأنشطة الاقتصادية الحضرية 47% ما يشير إلى هشاشة القاعدة الإنتاجية واعتماد غير متوازن على قطاعات خدمية أو غير رسمية كما يصنف الريف الأسيوطي ضمن الفئات الأضعف من حيث الاندماج في الاقتصاد المنظم ما يضعف فرص التنمية المتوازنة ويعزز التبعية للحضر دون مردود فعلي.
ورغم الجهود المبذولة مؤخرا وعلى رأسها مشروعات حياة كريمة لتطوير الريف المصري وما تبعها من إدخال البنية التحتية إلى مئات القرى إلى جانب البدء في إنشاء مدينة هضبة ناصر وتوسعات مدينة أسيوط الجديدة وتنامي الجامعات الأهلية والخاصة في نطاق المحافظة إلا أن هذه التحركات لم تفض بعد إلى خلق نشاط اقتصادي حقيقي قادر على رفع معدلات التشغيل أو الإنتاج المحلي كما أنها لم تخفف الضغط عن العاصمة القديمة للمحافظة التي ما زالت تعاني من ازدحام عمراني واختناقات خدمية وغياب التوازن بين التوسع العمراني والتنمية الاقتصادية الموازية له.
من هنا فإن أسيوط بحاجة إلى مشروع سياسي وتنموي يتجاوز إدارة الأزمات نحو إعادة تصميم المنظومة بالكامل يجب أن نبدأ بتخطيط عمراني ذكي يوجه التوسع إلى مناطق مستدامة ويقلل استهلاك الأرض ويرفع نصيب المواطن من المسكن والخدمة كما يجب تحويل الريف من عبء سكاني إلى محور إنتاجي عبر خلق مراكز صناعية خفيفة ومجتمعات زراعية صناعية تستفيد من الموارد المحلية.
إن أسيوط تحتاج إلى سياسات بديلة ومستدامة ترتكز على الحقائق والمؤشرات الدقيقة التي تعكس الواقع الفعلي للمحافظة فالمقارنة المستمرة بين هذه السياسات وبين المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية ستساعد في تحديد أولويات العمل وفتح آفاق جديدة للحلول الممكنة تلك السياسات يجب أن تتحول إلى طريق واضح ومنهج فعال لبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة مع التأكيد على ضرورة الاعتماد على البحث العلمي كمصدر رئيسي لإيجاد الحلول المبتكرة ولا بد من الاستفادة القصوى من المراكز البحثية وأصحاب الخبرات في المحافظة مما يستوجب بناء حوار مجتمعي حقيقي وفعال يشارك فيه الجميع من كافة الأطياف ليكون هذا الحوار الأساس لخلق واقع مستقبلي مستدام ومبني على رؤى محلية فعالة.





















