في كل مرة يظهر فيها اسم سياسي أمريكي من أصول عربية أو مسلمة في الإعلام الغربي، سرعان ما تنتقل بعض ردود الفعل في العالم العربي إلى مساحة مختلفة تمامًا عن سياقها الأصلي. وكأن كل تصريح داخل السياسة الأمريكية موجّه بالضرورة إلى المنطقة العربية، أو معنيّ بها بشكل مباشر.
هذا ما حدث مع الحوار الأخير للدكتور عبد الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، والذي أثار نقاشًا واسعًا رغم أن المقابلة لم تتطرق إلى مصر أو أي دولة عربية من قريب أو بعيد.
الحوار مع جريدة نيويورك تايمز ما الصحفي” تيم بالك” من آن أربور
حوار أمريكي داخلي بالكامل
الحقيقة البسيطة التي يغفلها كثيرون هي أن هذا الحوار يدور بالكامل داخل السياق السياسي الأمريكي:
انتخابات في ولاية ميشيجان
صراع داخل الحزب الديمقراطي
مواجهة مع دونالد ترامب
نقاش حول الرأسمالية والضرائب والرعاية الصحية
جدل داخلي حول إسرائيل والسياسة الخارجية الأمريكية
لا توجد إشارة واحدة إلى مصر، ولا إلى العالم العربي، ولا إلى أي ملف إقليمي خارج الولايات المتحدة.
ومع ذلك، جرى التعامل مع بعض العبارات وكأنها موجهة إلى الخارج، وهو ما يعكس مشكلة أوسع تتعلق بطريقة قراءة الخطاب السياسي الغربي في المنطقة العربية.
إسقاط السياسة الأمريكية الداخلية على العالم العربي خطأ شائع
من الأخطاء المتكررة في التلقي الإعلامي العربي هو افتراض أن السياسي الأمريكي، خصوصًا إذا كان من أصول مهاجرة، يتحدث دائمًا باسم “هويته الأصلية”.
لكن الواقع مختلف تمامًا:
السياسي في أمريكا يخاطب ناخبًا أمريكيًا أولًا وأخيرًا
قضاياه داخلية بالأساس
خطابه يُصاغ وفق معارك انتخابية محلية
وبالتالي، فإن تحويل هذا الخطاب إلى رسالة موجهة للعالم العربي هو إسقاط غير دقيق.
عبد الرحمن السيد: مرشح داخل نظام أمريكي لا خارجه
في هذا السياق، يظهر عبد الرحمن السيد كمرشح أمريكي بالدرجة الأولى:
طبيب سابق في الصحة العامة
سياسي تقدمي في ملف العدالة الاقتصادية
يركز على الرعاية الصحية والضرائب والطبقة الوسطى
يخوض معركة انتخابية ضد خصوم جمهوريين داخل الولايات المتحدة
حتى عندما يتحدث عن قضايا حساسة مثل إسرائيل أو الهوية، فإنه يفعل ذلك ضمن نقاش أمريكي داخلي شديد التعقيد، وليس ضمن خطاب موجه لدول أخرى.
أين يقع سوء الفهم؟
المشكلة ليست في النص، بل في زاوية القراءة.
فعندما يُقرأ خطاب سياسي أمريكي بعين عربية تبحث عن “موقف منّا”، يحدث نوع من التشويش:
نقد السياسة الأمريكية الخارجية يُفهم كعداء لدول عربية
نقاش الهوية الأمريكية يُفسَّر كإقصاء للآخر
الجدل الانتخابي الداخلي يُحوَّل إلى موقف إقليمي
وهذا ما يخلق انطباعًا غير دقيق عن مضمون الخطاب.
الحقيقة البسيطة أنه لم يذكر مصر أصلًا:
من المهم التأكيد بوضوح:
عبد الرحمن السيد لم يذكر مصر في أي جزء من الحوار، لا سلبًا ولا إيجابًا.
وبالتالي، فإن أي ربط بين تصريحاته ومصر هو قراءة خارج النص، وليس جزءًا منه.
لماذا يحدث هذا الالتباس؟
يمكن تلخيص الأسباب في ثلاث نقاط:
حساسية سياسية عالية في المنطقة العربية تجاه الخطاب الغربي
الخلط بين الهوية الشخصية والسياسة العامة
انتشار القراءة الانتقائية للنصوص عبر وسائل التواصل الاجتماعي
الخلاصة
القضية هنا ليست في عبد الرحمن السيد، ولا في مواقفه السياسية داخل الولايات المتحدة، بل في طريقة استقبال الخطاب السياسي الأمريكي في سياق مختلف تمامًا.
فما يُقال في ميشيجان لمعالجة قضايا الناخب الأمريكي، لا يمكن قراءته كرسالة موجهة إلى القاهرة أو أي عاصمة عربية أخرى.
وفي النهاية، يبقى الفاصل الأهم هو:
ليس كل ما يُقال في السياسة الأمريكية يُقال عنا… ولا يُقصد بنا.




















