السؤال ده بقى بيشغلني بقاله فترة لأني شايف إن في حاجة اتكسرت في مفهوم المعارضة عند ناس كتير لدرجة إن كلمة معارضة نفسها بقت عند البعض مرادف للخيانة وبقت عند ناس تانية مرادف لهدم الدولة مع إن الحقيقة إن الاتنين دول مش هم معنى المعارضة أصلا
المعارضة مش نقيض الدولة والمعارضة مش خصم للوطن بالعكس المعارضة جزء طبيعي من أي دولة عايزة تتطور لأنها ببساطة بتحاول تكشف الأخطاء وتقترح حلول وتقدم بدائل وتضغط على السلطة علشان تطلع أفضل ما عندها وده مش ضعف للدولة ده واحد من أهم أسباب قوتها
لكن اللي حصل عندنا خلال السنين اللي فاتت خلق فراغ سياسي كبير من ناحية فيه أصوات في الخارج بتقدم نفسها باعتبارها البديل الوحيد وبتبني خطابها على فكرة إسقاط النظام وأحيانا إسقاط مؤسسات الدولة نفسها ومن ناحية تانية فيه معارضة في الداخل مؤمنة بالدولة ومؤمنة إن الإصلاح لازم يحصل من جوه لكنها بتتحرك في مساحة ضيقة جدا خلت صوتها يوصل بصعوبة للناس
وهنا بدأت المشكلة لأن الفراغ السياسي عمره ما بيفضل فاضي طول ما في مكان فاضي هتلاقي حد يملأه سواء كان هدفه الإصلاح أو كان هدفه استغلال غضب الناس لتحقيق مشروع مختلف تماما
أقدر أفهم إن الدولة عندها مخاوف حقيقية لأن المنطقة عدت بتجارب صعبة وشافت جماعات استخدمت السياسة علشان تهد دول كاملة أو تفتح الباب لتدخلات خارجية وأقدر أفهم كمان إن أي سلطة بطبيعتها بتخاف على استقرارها لكن المشكلة إن الخوف لما يبقى هو القاعدة بيتحول أي صوت مختلف إلى مصدر تهديد حتى لو كان مؤمن بالدولة ومتمسك بيها أكتر من أي حد
وفي اللحظة دي المواطن هو أول واحد بيدفع التمن لأنه بيخسر ضهره بيخسر اللي يعبر عنه ويدافع عن حقه ويضغط على الحكومة علشان تصلح أخطاءها ويقدم له بدائل حقيقية بدل ما يفضل قدامه صوت واحد
ولما المواطن ميلاقيش الصوت الوطني ده طبيعي إنه يبدأ يسمع أصوات تانية مش لأنه اقتنع بيها بالضرورة لكن لأنه بيدور على حد يسمعه ويتكلم عن مشاكله ودي أخطر لحظة لأن الفراغ اللي سابته المعارضة في الداخل بيتم ملؤه بخطابات تانية قد تكون أهدافها بعيدة تماما عن مصلحة الدولة أو المواطن
وفي المقابل مينفعش المعارضة تعفي نفسها من المسؤولية لأن عليها جزء كبير من الأزمة المعارضة مش دورها إنها تكتفي بالنقد ولا تدخل في صراعات داخلية ولا يبقى أكبر همها مين يكسب ومين يخسر دورها الحقيقي إنها تقدم حلول وسياسات وبدائل وتقرب من الناس وتثبت إنها قادرة تكون بديل مسؤول مش مجرد صوت غاضب
المشكلة كمان إن ناس كتير بقت شايفة إن الدولة والمعارضة خصمين لازم واحد فيهم ينتصر والتاني يختفي مع إن الحقيقة عكس كده تماما الدولة والمعارضة مكملين لبعض والدولة القوية هي اللي تستوعب وجود معارضة قوية لأنها بتكشف أخطاءها قبل ما تكبر وبتديها فرصة تصحح نفسها والمعارضة القوية هي اللي تشتغل داخل دولة مستقرة وتحافظ عليها لأنها عارفة إن مفيش سياسة من غير دولة ومفيش إصلاح على أنقاض وطن
ولو استمر الوضع بالشكل ده فالخسارة مش هتبقى على المعارضة ولا على الدولة لوحدها الخسارة هتبقى على الاتنين لأن المواطن هيفقد ثقته في العمل السياسي كله وساعتها أي خطاب متطرف هيبقى عنده فرصة أكبر إنه يتمدد ويستغل الإحباط والفراغ ودي نتيجة محدش هيستفيد منها
علشان كده الحل في رأيي مش إن الدولة تلغي المعارضة ولا إن المعارضة تدخل في معركة مع الدولة الحل إن يحصل بناء جديد للثقة الدولة تفتح مساحة أوسع للعمل السياسي الحقيقي وتفرق بين اللي بيختلف معاها واللي بيحاربها وتدي فرصة للأصوات الوطنية إنها تتحرك بحرية أكبر والمعارضة في المقابل تركز على تقديم البدائل وتجمع صفوفها وتقرب من الناس وتفضل متمسكة بفكرة الدولة الوطنية وترفض أي طريق يؤدي لهدمها
في النهاية أنا مش شايف إن الدولة والمعارضة بيتنافسوا على حب الوطن لأن دي معركة ملهاش معنى اللي بيتنافسوا عليه هو أفضل طريقة لخدمة الوطن ولما أي طرف يحاول يلغي الطرف التاني يبقى الخاسر الحقيقي هو المواطن لأن الدولة من غير معارضة بتفقد جزء مهم من قدرتها على المراجعة والمعارضة من غير دولة مستقرة ملهاش مكان تشتغل فيه
يمكن أخطر حاجة وصلنالها مش إن عندنا معارضة ضعيفة ولا إن عندنا دولة قلقة لكن إننا بدأنا نصدق إن الاتنين مينفعوش يعيشوا مع بعض مع إن الحقيقة إن عمر أي دولة حديثة ما اتبنت إلا لما قدرت تخلق علاقة فيها اختلاف وفيها نقد وفيها منافسة لكن في النهاية كل الأطراف كانت مؤمنة إن الوطن أكبر من الجميع وإن إصلاحه أهم من الانتصار على بعضنا البعض















