تتوالى التقارير الصادرة عن كبرى المؤسسات الحقوقية العالمية لتكشف عن واقع مرير يضرب شرعية النضال الفلسطيني في مقتل، حيث سجلت المنظمات الدولية سلسلة من الإعدامات الميدانية التي نفذتها حركة حماس وبعض الفصائل المسلحة داخل قطاع غزة بحق مدنيين وموقوفين، متجاوزة بذلك كل القوانين والأعراف التي تحكم سير العمل الوطني، لتتحول هذه الممارسات إلى مادة دسمة تقتات عليها آلة الدعاية التابعة لدولة الاحتلال الاسرائيلي لتبرير حربها المستمرة منذ أكتوبر 2023 وحتى أكتوبر 2025.
توثق المؤسسات الدولية وفي مقدمتها منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والأمم المتحدة ارتكاب عناصر مسلحة عمليات قتل خارج نطاق القضاء والقانون، واصفة تلك الأفعال بأنها ترقى إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتؤكد هذه التقارير أن ما يحدث في شوارع قطاع غزة من تصفيات جسدية علنية أمام أعين الأطفال والنساء والمدنيين، يمنح دولة الاحتلال الاسرائيلي صك براءة مجاني في المحافل الدولية، ويحول قضية مقاومة احتلال إلى صراع يتسم بتبادل الانتهاكات الحقوقية الجسيمة.
تكشف التحقيقات الحقوقية عن آليات قمعية ممنهجة تديرها حركة حماس تحت غطاء الحرب، حيث يتم انتزاع اعترافات من متهمين تحت وطأة التعذيب الوحشي قبل إعدامهم في محاكمات صورية تفتقر لأبسط معايير العدالة، وقد رصدت منظمة هيومن رايتس ووتش، على لسان مدير قسم إسرائيل وفلسطين عمر شاكر، حالات مروعة لانتهاكات حقوق الإنسان. كما وثقت المنظمة إعدام 18 شخصاً في فترات فوضى أمنية، إضافة إلى إعدام 7 فلسطينيين آخرين بتهم التجسس، وهي حوادث ظلت دون تحقيق جدي مما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب داخل النظام القضائي الموازي في غزة.
تذهب منظمة العفو الدولية إلى أبعد من ذلك، حيث اتهمت حماس في تقريرها الصادر في ديسمبر 2025 بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك جريمة الإبادة، خلال هجمات وتداعيات ما بعد السابع من أكتوبر. وتؤكد المنظمة أن القوات الأمنية التابعة لحماس منحت لنفسها سلطات مطلقة ارتكبت بموجبها انتهاكات صارخة بحق مدنيين، بما في ذلك إعدام ثلاثة مدنيين بعد محاكمات عسكرية سريعة، مما يعكس انهيار سيادة القانون وتغليب منطق القوة الغاشمة على حساب حقوق الإنسان في أشد الفترات حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية.
تضع الأمم المتحدة النقطة على الحروف بتقريرها الصادر في يونيو 2026، والذي وثق 249 حالة فردية من الانتهاكات الجسيمة بين أغسطس 2024 ويناير 2026، نتج عنها 108 قتلى و384 جريحاً، وتصف الأمم المتحدة الإعدامات العلنية في الشوارع بأنها أعمال ترقى لمستوى جرائم الحرب. ويشير التقرير إلى واقعة إعدام ثلاثة رجال معصوبي الأعين أمام مستشفى الشفاء في سبتمبر 2025، وهي مشاهد موثقة باتت تتصدر عناوين الإعلام الغربي في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأوروبا، لتسهم في عزل السردية الفلسطينية وتقويض التعاطف الدولي مع حقوق الشعب الفلسطيني.
تجمع المنظمات الحقوقية الفلسطينية، مثل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان واللجنة المستقلة لحقوق الإنسان، على إدانة هذه الممارسات التي وصفتها بأنها خروج عن القانون الفلسطيني وتهديد للسلم المجتمعي. وتشدد هذه الجهات على أن تعمد عرض عمليات الإعدام أمام الجمهور يمثل انتهاكاً مركباً للكرامة الإنسانية، بينما يرى الاتحاد الأوروبي أن هذه الإجراءات غير مقبولة وتخالف التزامات كافة الأطراف بالقانون الدولي الإنساني، مما يحرم الفلسطينيين من غطائهم الأخلاقي والقانوني في معركتهم العادلة ضد الاحتلال.
تؤكد المعطيات الحالية أن هذه التصرفات تمنح دولة الاحتلال الاسرائيلي ذريعة ذهبية للهروب من طائلة العقاب الدولي، إذ تستغل الدعاية الصهيونية هذه التقارير لتسويق فكرة أن كلا الطرفين يمارسان نفس الأساليب الوحشية، مما يطمس معالم الجريمة الأصلية المتمثلة في الاحتلال والعدوان. إن هذه الانتهاكات لا تستنزف دماء الفلسطينيين فحسب، بل تستنزف أيضاً طاقة الدبلوماسية الفلسطينية التي تضطر للدفاع عن ممارسات لا يمكن تبريرها، مما يعزز الانقسام الفلسطيني ويضعف الموقف القانوني العام في كل المحافل والمؤسسات الدولية والإقليمية.





















