الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يعد تجسيداً للرحمة الإلهية في تاريخ البشرية، فالقرآن الكريم أكد على دور النبي – صلى الله عليه وسلم – كـ”رحمة للعالمين”، وهذه الرحمة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ إذ تشمل توجيه البشر وتعليمهم وتطويرهم، سواءً على الصعيد المادي أو الروحي. وبالتالي، فإن تأثير هذه الرحمة يمتد عبر تاريخ البشرية بأكمله.
كما أوضحت دار الإفتاء كيفية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، مؤكدة أن الاحتفال بذكرى مولد سيد الكونين وخاتم الأنبياء والمرسلين، نبي الرحمة وغوث الأمة، سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام-، يعتبر من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه يعبّر عن الفرح والحب للنبي -عليه الصلاة والسلام-، ومحبة النبي -عليه الصلاة والسلام- تعتبر أصلاً من أصول الإيمان، وقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- قوله: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” كما رواه البخاري.
وأكدت أيضاً: أن الاحتفال بمولده -عليه الصلاة والسلام- هو احتفاءٌ به، وهذا الاحتفاء به -عليه الصلاة والسلام- أمر مشروع؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى. فقد علم الله -سبحانه وتعالى- قدر نبيه، وعرّف الوجود بأسره باتصاله بمولده وبمقامه، فالكون كله يشهد فرحًا دائمًا بنور الله ورحمته التي أنعم بها على العالمين.
منذ القرن الرابع والخامس، اعتاد سلفنا الصالح الاحتفال بمولد الرسول الأكرم – صلى الله عليه وسلم – من خلال إحياء ليلة المولد بمختلف الأشكال الدينية مثل تقديم الطعام، وتلاوة القرآن، والذكر، والابتهالات التي تمجد الرسول – صلى الله عليه وسلم. هذا ما أكده عدة مؤرخين من بينهم ابن الجوزي وابن كثير، وابن دحية الأندلسي، وابن حجر، والسيوطي.
والعديد من العلماء قد أيدوا قانونية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وحتى جمعية من الفقهاء والعلماء قد ألَّفت في فضل هذا الاحتفال، مدعمين آرائهم بأدلة دينية قوية. لذا، فمن الضروري أن يلاحظ كل من يمتلك عقلاً سليماً أهمية هذا الاحتفال، كما ذكر ابن الحاج في كتابه “المدخل” حيث بين فوائد هذا الاحتفال، على الرغم من تشديده على نقد الابتداعات غير المشروعة. فيما يتعلق بذلك، كتب الإمام السيوطي رسالة مستقلة بعنوان “حُسن المَقصِد في عمل المولد
بالنسبة للاحتفال بالمناسبة المقدسة، فإنه لا يختلف كثيرًا عن مغزاه في اللغة. فالغرض من الاحتفال بذكرى المولد النبوي هو تجمع الناس للتذكير بفضائل النبي، والتسبيح والثناء عليه، وتقديم الطعام تبرعا لله، احتفاء بمحبتنا لرسول الله، وابتهاجا بمولده الشريف.
ويشمل ذلك العادة الشائعة لشراء الحلوى وتبادلها في هذه المناسبة النبيلة، فالتبادل هو أمر محمود بذاته، حيث لا يوجد دليل يمنعه أو يحدده زمانًا محددًا.
فعندما يرافق ذلك أهداف نبيلة أخرى مثل إدخال الفرح على الأسرة وتوطيد العلاقات العائلية، يصبح مستحبًا. اذا كانت هذه التصرفات تعبيرًا عن فرحة بولادة المصطفى، فإن ذلك يزيد من جوازية ومحبوبيتها؛ حيث أن وسائل التعبير تأخذ حكم المقاصد، والادعاء بتحريمها أو محدوديتها في تلك الحالة يعتبر طابعًا مذمومًا.
ومن الممكن أن يُلتبس على بعض الناس اعتقاد أن القرون الأولى الفاضلة كانت خالية من مثل هذه الاحتفالات، ولكن حتى لو صح هذا الاعتقاد، فإن ذلك لا يبرر منع مثل هذه الاحتفالات؛ لأنه ليس هناك شك في أن الناس العاقلين كانوا يفرحون -رضي الله عنهم- بقدوم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك، فإن هناك أشكال مختلفة للابتهاج والتعبير عنه، ولا يوجد مانع شرعي من استخدام هذه الأساليب؛ لأن التعبير بالفرح بقدوم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو نوع من أنواع العبادة، وأي نوع من أنواع العبادة يجوز التعبير عنه بالوسائل المباحة التي تخدم هذا الغرض.
وقد ورد في السنة النبوية أدلة تشير إلى احتفال الصحابة الكرام بقدوم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، حيث كانوا يُظْهِرون فرحهم وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقر بهذا الفرح ويأذِن لهم في ذلك. فعلى سبيل المثال، يُروى عن بريدة الأسلمي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قد رحل في بعض غزواته ثم عاد، وخرجت جارية سوداء إلى استقباله.
وقالت له: “يا رسول الله، كنت قد نذرت أن أعزف على الدف وأغني إذا رُددْت سالمًا”، فرد عليها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: “إذا كنت قد نذرتِ فافعلي، وإلا فلا”، وقد صحح هذا الحديث الإمام أحمد والترمذي ووصفوه بأنه حسن صحيح غريب.
وبالتالي، إذا كان استخدام الدف إعلانًا للاحتفال بعودة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من الغزو شيئًا مشروعًا أقره النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأمر بتحقيق نذره، فإن التعبير عن الفرح بقدومه -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى دنيانا -سواء بالدف أو باستخدام أية مظاهر مشروعة للاحتفال
إذا كان الله تعالى يخفف عن أبي لهب – الذي كان من الكافرين المعادين والمحاربين لله ورسوله – بفرح بمولد خير البشر، حيث يُسقى من نقرة كفه كل يوم اثنين في النار؛ لأنه أعتق مولاته ثويبة عندما بشرته بميلاده الشريف – صلى الله عليه وآله وسلم – كما ورد في صحيح البخاري، فما بالكم بجزاء الرب لفرح المؤمنين بميلاده وسطوع نوره في الكون، وقد سن لنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – نموذجًا للشكر لله تعالى على ميلاده الشريف، فقد صح أنه كان يصوم يوم الاثنين ويقول: “ذلك يوم وُلِدتُ فيه”، كما رواه مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، فكان هذا شكراً منه – عليه الصلاة والسلام – على نعمة الله تعالى عليه وعلى الأمة بولادته الشريفة. الأولى بالأمة هي أن تحتذي به – صلى الله عليه وآله وسلم – في شكر الله تعالى على هذه النعمة والمنحة المصطفوية بجميع أنواع الشكر، بمن فيها الإطعام والثناء والاجتماع للذكرى والصوم والقيام وغير ذلك من كلّ ما يعبر عن الامتنان.
كيف نحتفل بالمولد النبوي؟
يتم التعبير عن الفرح في هذا اليوم من خلال تجمع الناس للذكر والإنشاد بمدح وثناء سيدنا رسول الله، وتقديم الطعام كصدقة وأداء الصيام والقيام؛ كل ذلك احتفالًا بمولد النبي الشريف وإعلانًا عن محبته. يجب تعظيم هذا الاحتفال والاحتفاء به بفرح وسرور كونه يعبر عن محبة رسول الله وهو شرعي لأنه يعكس جوهر الإيمان.
والاحتفال بـ مولد النبي الشريف تعظيمٌ واحتفاءٌ وفرحٌ بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، والاحتفاءُ والفرح به أمرٌ مقطوع بمشروعيته؛ لأنَّه عنوان محبته صلى الله عليه وآله وسلم التي هي ركن الإيمان.




















