يشهد السوق العقاري المصري مرحلة متزايدة التركيز على معدلات التنفيذ الفعلية للمشروعات، في ظل استمرار تأخر بعض الشركات في التسليم، مقابل مطورين يواصلون أعمال الإنشاء رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف التنفيذ.
وتعيد هذه التطورات ترتيب أولويات السوق، مع تزايد أهمية قدرة المطور على توجيه السيولة المتاحة إلى الإنشاءات، بدلًا من الإنفاق المرتفع على الحملات الدعائية والفعاليات، خاصة في المشروعات التي لم تحقق معدلات التنفيذ المستهدفة.
التنفيذ الفعلي أصبح معيارا أساسيا لتقييم المطورين
وتشير التطورات الحالية إلى وجود تفاوت واضح بين الشركات العاملة بالسوق؛ فبينما تواجه بعض المشروعات تأخرًا في التنفيذ، تواصل مشروعات أخرى أعمال الإنشاء بوتيرة مرتفعة، بما يمنح العملاء قدرًا أكبر من الثقة في قدرة المطور على الوفاء بالتزاماته.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المتابعة المستمرة لمعدلات التنفيذ وأوضاع المشروعات، خاصة مع توجه الدولة إلى فحص أداء المشروعات المتأخرة وأوضاع الشركات المطورة، بما يعزز ضرورة تعامل الشركات بجدية مع الملفات التنفيذية بدلًا من الاكتفاء بالنشاط التسويقي.
ويرى مراقبون، أن استمرار الإنفاق على الحفلات والفعاليات الدعائية في مشروعات تعاني ضعفًا في معدلات التنفيذ قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصا مع ارتفاع حساسية العملاء تجاه الفارق بين الوعود التسويقية وما يرونه فعليًا على أرض المشروع.
دعم للمطور الجاد وتسهيلات لتسريع التنفيذ
في المقابل، يستفيد المطورون الذين يواصلون العمل في مواقع مشروعاتهم من الإجراءات والتيسيرات التي تستهدف تخفيف الضغوط التمويلية والتنفيذية، ومن بينها خفض فوائد أقساط الأراضي إلى 12%، إلى جانب إتاحة مدد إضافية للتنفيذ في إطار الإجراءات المرتبطة بالظروف الاستثنائية.
وتعكس هذه الإجراءات توجهًا نحو مساعدة الشركات القادرة على استكمال مشروعاتها، مع منحها مساحة زمنية وتمويلية إضافية للتعامل مع ارتفاع تكاليف البناء وتغيرات السوق، بما يساعد على تسريع معدلات التنفيذ والتسليم.
وتكشف متابعة عدد من المشروعات عن مطورين يواصلون العمل على مدار ورديات متعددة، بما في ذلك العمل خلال ساعات الليل، بهدف تعويض التأخيرات السابقة والوصول إلى معدلات إنجاز أفضل خلال الفترة المقبلة.
ومن بين النماذج المطروحة مشروع Time Tower في منطقة الأعمال المركزية، حيث تتواصل أعمال التنفيذ بعد الانتهاء من ثلاثة أدوار تحت الأرض وأربعة أدوار فوق الأرض، مع استمرار العمل على تنفيذ الهيكل الخرساني المستهدف استكماله بنهاية 2027، وفق المعلومات الواردة عن المشروع.
العميل أصبح أكثر ارتباطا بما يراه في موقع المشروع
وتفرض هذه المرحلة معادلة جديدة في العلاقة بين المطور والمشتري؛ إذ أصبح العميل أكثر قدرة على تقييم موقف استثماره من خلال متابعة الأعمال الإنشائية الفعلية، وليس فقط الحملات التسويقية أو الوعود الخاصة بمواعيد التسليم.
ويظهر ذلك بصورة أكبر في المشروعات التي شهدت تأجيلًا في مواعيد التسليم، حيث يمكن لاستمرار العمل داخل الموقع ووضوح معدلات الإنجاز أن يمنح العملاء مساحة أكبر للصبر، مقارنة بالمشروعات التي لا تشهد تقدمًا ملموسًا رغم مرور فترات طويلة على عمليات البيع.
كما أن الفارق السعري بين الوحدات التي تم التعاقد عليها في مراحل مبكرة والوحدات المطروحة حاليًا أصبح عاملًا مؤثرًا في قرارات العملاء، خاصة في المناطق التي شهدت ارتفاعات كبيرة في أسعار الأراضي وتكاليف الإنشاء.
السوق أمام مرحلة لإعادة ترتيب الأولويات
وتشير هذه التطورات إلى أن السوق العقاري يقترب من مرحلة أكثر ارتباطًا بمفهوم «التنفيذ أولًا»، خاصة مع تزايد الضغوط على الشركات التي تجمع أموال العملاء دون تحقيق تقدم يتناسب مع حجم المبيعات.
ويطرح ذلك أهمية إعادة النظر في بعض آليات السوق، من خلال التوسع في أدوات مثل حسابات الضمان، والبيع على الخريطة بضوابط أكثر إحكامًا، والصناديق العقارية، بما يساعد على تنظيم تدفقات الأموال وربط عمليات البيع بمعدلات التنفيذ الفعلية.
وفي المقابل، فإن خروج المطور غير القادر على استكمال مشروعاته، وكذلك المشتري غير القادر على الوفاء بالتزاماته، قد يكون جزءا من عملية تصحيح طبيعية للسوق، بشرط أن تتم وفق قواعد واضحة تحفظ حقوق الأطراف وتحد من انتقال المخاطر إلى باقي مكونات القطاع.
وبذلك، لم يعد التحدي أمام المطور العقاري يقتصر على قدرته على البيع، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أكبر بقدرته على تحويل المبيعات إلى إنشاءات فعلية، ثم إلى مشروعات مكتملة وتسليمات حقيقية؛ وهي المعادلة التي ستحدد بدرجة كبيرة شكل المنافسة داخل السوق خلال المرحلة المقبلة.
اقرا ايضا: السوق العقاري أمام فرصة جديدة.. هل التركيز على الشرائح الأعلى يهدر ملايين العملاء؟





















