
لطالما عانت السينما والدراما العربية من أزمة صناعة الأنبياء بل يُمكن القول صناعة الآلهة، إذ كلما تصدى أحدهم لصناعة عمل ما يحكي قصة شخصية تاريخية، سواء كانت أدبية أو دينية أو حتى سياسية، انقلب الأمر لتُصبح تلك الشخصية نبيًا لا يُخطئ، أو إلهًا جلّ عن السهو والمكر والخطيئة.
يعتقد المسؤولون عن الصناعة الفنية في مصر، أن إظهار الشخصيات التاريخية بتلك الطريقة المقدسة، يجعل قبولهم في الشارع المصري مضمونًا، لكنهم لا يدركون أن في نفس الوقت وحتى إن تحقق مرادهم جزئيًا، فإن العمل نفسه يُصبح في طي النسيان سريعًا؛ لأنه يُشبه في النهاية درسًا طويلًا للنفاق والكذب. إلى جانب سهولة التشكيك فيه بالكامل، بالبحث عن بعض الأخطاء التي شابت تاريخ هذه الشخصية أو تلك وتم تجاهلها من صناع العمل، ومن ثم إبرازها للسخرية منه.
تجد مثلًا من وجهة نظر فنية مصرية، أن الشيخ متولي الشعراوي لم يُخطئ حتى في طفولته، وجمال عبدالناصر وأنور السادات كانوا أنبياء لا رؤساء، وقادة المماليك الذين حاولوا صدَّ الأتراك، كطومان باي، وطنيين إلى النخاع دون أي مصالح خاصة ومقدسين بلا أي ذنب، وهكذا يُمكن عد الكثير من أنبياء وآلهة الفن، اعتدنا في مصر والوطن العربي صناعتهم كما اعتاد الأتراك أيضًا.
لكن في الموسم الرمضاني الحالي، وجد صناع مسلسل الحشاشين أنفسهم أمام معضلة صعبة بالنسبة لتلك العادة في تناول حياة الشخصيات التاريخية، فحسن الصباح مؤسس وقائد الحشاشين لا يجب أن يُصبح نبيًا أو أسطورة مقدسة، من وجهة نظر دينية تتماشى مع دين المصريين، وأيضًا من وجهة نظر سياسية ترفض بالقطع تحول معارضة الحكام إلى العنف، وتطارد كل فكرة انعزال عن النسيج الوطني في هيئة جماعات دينية سرية كانت أو مُعلنة.
لذلك، فإن فكرة طرح شخصية حسن الصباح، بالصدفة ربما، أصبحت الخيار الأمثل لمهمة قتل فكرة الآلهة الفنية القديمة تلك، بما أنها أولًا تجمع كل المرفوض دينيًا وسياسيًا، فالرجل ينتمي إلى الشيعة وينعزل بجماعة تمارس العنف، وثانيًا لأن البطل هو كريم عبدالعزيز، أحد أكثر الفنانين قبولًا لدى الجمهور، فقد منع ذلك تحول حسن الصباح لشيطان أيضًا، وهكذا، وبدون آلهة أو شياطين، يتبقى لنا إنسان عادي، سواء اتفقت معه أو اختلفت لكنه في النهاية بشري، سيلقى من الجمهور خليط يتنقل بين الإعجاب والمحبة والخشية والرفض والقبول، لا تقديس ولا شيطنة، باختصار، تجسيد حسن الصباح عن طريق كريم عبدالعزيز، أراها الخطوة الأفضل لصناعة عمل يتحدث عن شخصية تاريخية بطريقة واقعية وموضوعية أكثر، بالنسبة لما اعتدناه من صُناع الفن في بلادنا قبل ذلك.
هناك بالطبع بعض المآخذ على المسلسل والتي ساقها البعض، صحيحة أحيانًا وخاطئة أحيانًا أخرى، وهناك من خلط السياسة بالفن ليُبدي معارضة لا تمت للنقد الفني بصلة، لكني في هذا المقال لا أود الحديث عن تفاصيل العمل الفني، إنما فقط القول لصُناعه بأن مجهودهم في تقديم شخصية تاريخية بشكل موضوعي «كاستثناء» قد لفت الأنظار ولاقى الإعجاب حد التصفيق، وأن من تلك النقطة ربما يُصبح التحول في تناول الشخصيات التاريخية كبشر عاديين أمرًا مطروحًا ومعتادًا، إن حدث فسوف يكون للحشاشين دور في تلك النقلة بلا شك، مع الاعتذار للساذجين هواة خلق الأنبياء والآلهة وقتل الفن.






















