تقرير- عمرو حسن
بعد 13 عام من التعنت الإثيوبي وفرض سياسة الأمر الواقع في استمرار مراحل ملء سد النهضة مرحلة تلو الأخرى، دون الاكتراث للمفاوضات الخاصة بسد النهضة، أو بحقوق مصر والسودان القانونية والتاريخية وحتى الطبيعية في مياه النيل، حيث رفضت أديس أبابا كل المقترحات الفنية والزمنية التي قدمتها مصر والسودان لحل الأزمة والحفاظ على حقوق البلدين المائية بما لا يتعارض مع طموحات إثيوبيا المزعومة في التنمية الاقتصادية وتوليد الكهرباء، ومنذ 20 يوليو الماضي وإثيوبيا تملىء الملء الخامس للسد، والمتوقع أن ينتهي 10 سبتمبر الجاري بإجمالي 23 مليار م3، وبالتالي تكون إثيوبيا انتهت فعليًا من كل مراحل ملىء السد، ولم تتوقف إثيوبيا خلال رحلتها لناء السد والإضرار بحياة السودانيين والمصريين والتأثير على حصصهم وحقوقهم من المياه، بل سعت إثيوبيا وراء إبرام اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل -اتفاقية عنتيبي- من أجل إعادة تقسيم المياه بين دول الحوض.
وبعد سعي إثيوبي حثيث، أقرت الاتفاقية 6 من دول منابع نهر النيل الـ11، وهي إثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا، ورواندا وبوروندي، إلى جانب جنوب السودان التي وقعت في يوليو الماضي، وتعارض الكونغو الديمقراطية ومصر والسودان الاتفاقية، وتتمسكان باتفاقيات 1902 و1929 و1959 التي ترفض الإضرار بدول المصب، التي تقر نسبة 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل لمصر، ونسبة 18.5 مليار متر مكعب للسودان، وعبر سنوات من التفاوض المصري الإثيوبي الذي قابلته أديس أبابا بالتعنت واللامبالاة، أكدت مصر مرارًا على رفضها للسياسة الإثيوبية، وأوضحت القاهرة على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي وعبر وزارة خارجيتها وخطابات مصر إلى مجلس الأمن، إلى حق مصر في الحفاظ على حقوقها التاريخية والقانونية والطبيعية المصرية في مياه النيل.
وجاء بيان وزارة الخارجية المصرية أمس الموجه إلى مجلس الأمن، بعد تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” عن الملء الخامس لسد النهضة، وحجز كميات من مياه النيل الأزرق هذا العام واستكمال بناء الهيكل الخرساني للسد الإثيوبي، وهو ما يؤثر بشكل فج على منسوب مياه النيل وعلى حياة المصريين الذي يعتمدون بشكل رئيسي وأساسي على مياه النيل في كل أشكال حياتهم، ولذا أكدت مصر على رفضها القاطع للسياسات الأحادية الإثيوبية المخالفة لقواعد ومبادئ القانون الدولي، التي تُشكل خرقًا صريحًا لاتفاق إعلان المبادئ الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا في عام 2015، والبيان الرئاسي لمجلس الأمن الصادر في 15 سبتمبر 2021، منوهاً بأن تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” حول حجز كمية من مياه النيل الأزرق هذا العام واستكمال بناء الهيكل الخرساني للسد الإثيوبي، تُعد غير مقبولة جملة وتفصيلاً للدولة المصرية، وتمثل استمراراً للنهج الإثيوبي المثير للقلاقل مع جيرانها والمهدد لاستقرار الإقليم الذي تطمح أغلب دوله لتعزيز التعاون والتكامل فيما بينها، بدلاً من زرع بذور الفتن والاختلافات بين شعوب تربطها وشائج الأخوة والمصير المشترك.
وأشار الخطاب المصري لمجلس الأمن أن انتهاء مسارات المفاوضات بشأن “سد النهضة” بعد 13 عامًا من التفاوض بنوايا مصرية صادقة، جاء بعدما وضح للجميع أن أديس أبابا ترغب فقط في استمرار وجود غطاء تفاوضي لأمد غير منظور بغرض تكريس الأمر الواقع، دون وجود إرادة سياسية لديها للتوصل لحل، مع سعيها لإضفاء الشرعية على سياساتها الأحادية المناقضة للقانون الدولي، والتستر خلف ادعاءات لا أساس لها أن تلك السياسات تنطلق من حق الشعوب في التنمية، مُشدداً على أن مصر لطالما كانت في طليعة الدول الداعمة للتنمية بدول حوض النيل، وأن التنمية تتحقق للجميع في حالة الالتزام بالممارسات التعاونية المنعكسة في القانون الدولي وعدم الإضرار بالغير وتعزيز الترابط الإقليمي، وشدد بدر عبد العاطي وزير الخارجية في خطابه لمجلس الأمن على أن السياسات الإثيوبية غير القانونية سيكون لها آثارها السلبية الخطيرة على دولتي المصب مصر والسودان، وبالرغم من أن ارتفاع مستوي فيضان النيل في السنوات الأخيرة وكذلك الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة المصرية قد أسهما في التعامل مع الآثار السلبية للتصرفات الأحادية لسد النهضة في السنوات الماضية، إلا أن مصر تظل متابعة عن كثب للتطورات ومستعدة لاتخاذ كافة التدابير والخطوات المكفولة بموجب ميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن وجودها ومقدرات شعبها ومصالحه.
وقال عباس شراقي خبير المياه إن إثيوبيا فرضت الأمر الواقع بعد الملء الثالث لسد النهضة وتحدت الجميع وانتهت من الملء الرابع ، وحاليًا تقوم بالملء الخامس منذ 20 يوليو، مؤكدًا أنه الملء الأكبر منذ انطلاق التخزين، مستنكرًا حجز إثيوبيا قرابة 56 مليار م٣ عند منسوب 636 م، موضحًا أنه من المتوقع أن تزيد 8 مليارات جديدة بحلول 12 سبتمبر المقبل مع انتهاء الملء الخامس للسد، مشيرًا إلى أنه بمجرد إنتهاء الملء الخامس لسد النهضة ستفتح إثيوبيا بوابات السد لتدفق المياه الفائضة المقدرة بـ400 مليون لتر مكعب.
وأكد شراقي أن مصر أمامها عدَّة حلول لا بديل عنها وهي تقوم ببعضها بالفعل، مثل استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة والري، واستنباط أصناف زراعية جديدة موفرة للمياه مع إنتاجية عالية وعائد مالي أكبر، وترشيد استخدام المياه الجوفية، وحسن إدارة استخدام المياه في الزراعة والصناعة، وضرورة تنفيذ بعض المشروعات المائية في دولتي السودان وجنوب السودان لزيادة إيراد النيل بكمية أكثر من 20 مليار م3 مثل قناة جونجلي في جنوب السودان، وترشيد الإنفاق وزيادة الإنتاج.
وأوضح شراقي أن الخطر الأكبر حال انهيار سد النهضة -الذي يحمل بنائه الهندسي كثير من الشكوك، بجانب ضعف التربة الطينية-، على السودان ومن بعدها مصر، من خلال قنبلة مائية محملة بمليارات الأمتار المكعبة من المياه، تهدد حياة نحو 20 مليون سوداني يعيشون على ضفاف النيل الأزرق، بينما تقبع إثيوبيا في أمان تام لبعد العاصمة أديس أبابا بمسافة تزيد على ألف كيلومتر عن موقع بناء السد.
وأكد السفير أشرف الحربي، مساعد وزير الخارجية الأسبق ومدير مركز الخليج للدراسات السياسية الاستراتيجية سابقًا، أنه من ضمن أسباب التصعيدات الكبيرة الأخيرة بين إثيوبيا مصر، والتصريحات الإثيوبية هو الاتفاق المصري الصومالي على تواجد قوات مصرية في الصومال ضمن بروتوكول تعاون دفاعي بين البلدين.
وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق في تصريح لـ”الحرية”، إلى أن التصريحات الإثوبية الغير مباشرة إلى مصر التي تثير التوتر وتهدد سلامة المنطقة، بسبب انزعاج إثيوبيا من الاتفاق العسكري المصري الصومالي بوجود قوات مصرية لتدريب القوات الصومالية والمشاركة في قوات حفظ السلام وحماية الصومال من الإرهاب، موضحًا أنها رسالة لإثيوبيا أن هناك قوات عسكرية تساعد الصوماليين.
ونوه حربي إلى أن إثيوبيا قاربت على الانتهاء من سد النهضة بعد أيام، مشيرًا إلى أنهم احتفلوا بالفعل بذلك بعد سنوات من الملء الأحادي للسد، دون أي اعتبار لحقوق مصر والسودان، ودون أخذ موقفهما ومصالحهما وحياة الشعبيين في الاعتبار، مؤكدًا أن بيان الخارجية المصرية إلى مجلس الأمن أمس، خرجت ردًا على تصريحات إثيوبيا العدائية ضد مصر الفترة الماضية.
وبيَّن حربي أن تصريحات وزير الخارجية كشفت بوضوح تعنت الجانب الإثيوبي، وأكدت على الموقف المصري الذي لم يقف أمام طموحات أحد في ظل عدم جدية التفاوض الإثيوبي وعدم اكتراثه، وهو ما كان سبب التصعيد والتوتر بين الجانبين.
واختتم الدبلوماسي السابق تصريحه مؤكدًا على أن سر الأزمة اليوم، في أن الجانب الصومالي متفهم جدًا مع مصر لأطماع إثيوبيا، وبالتالي فإن الاتفاقيات العسكرية المصرية الصومالية تمنع إثيوبيا من الوجود في الصومال، أو بناء الميناء البحري في الصومال ليكون لها مخرج على مضيق باب المندب، موضحًا أن الصومال بات له حماية وتعاون عسكري ولن تستطيع إثيوبيا المساس بالصومال.






















