مازالت موجات ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية المتعاقبة تلهب جيوب المصريين، إذ لم تتوقف عند البصل والطماطم فقط بل أعقبها البطاطس أيضا، والتي واصلت الارتفاع بشكل غير مسبوق في تاريخها ليصل سعر الكيلو منها في بعض المناطق إلى 20 جنيها، وربما سيزيد الفترة المقبلة.
وذكرت “اقتصاد الشرق بلومبيرج” أن أسعار البطاطس ارتفعت بنحو 66% خلال شهر واحد، ليصل سعر الطن في السوق المحلية إلى 20 ألف جنيه، مقابل نحو 12 ألف جنيه في سبتمبر الماضي، وذلك نتيجة لارتفاع الكميات المُصدَرة إلى الخارج.
تعد البطاطس بديلا مهما لتغطية الاحتياجات الغذائية للمصريين والمكون الرئيس على موائد طعامهم ، خاصة في ظل ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن و الأرز وغيرها من السلع الأساسية، وارتفاع أسعارها بهذا الشكل المبالغ فيه ربما يزيد من مؤشرات الجوع والغضب لدى المصريين.
وهنا يبقى السؤال حول ما أسباب الارتفاع المفاجئ للبطاطس؟ وهل ستستمر في الزيادة؟ وهل هذا يعنى المزيد من ارتفاع الأسعار في محاصيل زراعية أخرى؟.
غياب السياسة الزراعية
وحول هذا الأمر يقول إلهامي الميرغني- الخبير الاقتصادي- ” أسباب ارتفاع أسعار البطاطس هي نفسها أسباب ارتفاع أسعار البصل والطماطم والمحاصيل الزراعية الأخرى في الفترة الماضية، والتي تكمن أولًا في غياب السياسة الزراعية القائمة علي السيادة الغذائية للمصريين، بالإضافة إلى غياب تحديد الاحتياجات الغذائية الحالية والمستقبلية، فضلا عن السماح بالتصدير دون النظر إلى مدى توفير كامل احتياجات السوق المحلي من عدمه، هذا بخلاف غياب الرقابة علي الأسواق ومعاقبة المحتكرين الذين يتلاعبون بالأسعار لتحقيق أعلي أرباح بغض النظر عن حالة الناس وغذائهم”.
ويضيف لـ” الحرية”: من الضرورة أن يكون هناك سياسة زراعية ودورة زراعية تراعي احتياجات المصريين وتشجع الفلاحين علي زراعة المحاصيل التي نحتاج لزيادة المساحات المنزرعة منها”.
ويتابع الميرغني قائلًا: “تُعد البطاطس من المحاصيل التي تحقق مصر فيها اكتفاءً ذاتيًا، وارتفاع أسعارها بهذا الشكل دليل علي وجود خلل في السوق وسيطرة للاحتكارات”.
ويشير إلى أن صادرات البطاطس العام الماضي بلغت 871 ألف طن في حين وصلت في أول 9 أشهر فقط من العام الحالي إلى 932 ألف طن، أي زادت بنسبة 42%، مؤكدًا على أن هذا يدل على غياب التحديد لحجم احتياجات السوق المحلي وحجم الصادرات والتي ترتفع علي حساب الاستهلاك المحلي وتؤدى بدورها إلى قلة المعروض وارتفاع الأسعار.
وبسؤاله عن أن تصدير البطاطس إلى الخارج سببًا رئيسيًا في ارتفاع الأسعار يجيب الخبير الاقتصادي: “أكيد وذلك يتم علي حساب السوق المحلي واحتياجاته”، موضحًا أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن في بيانات رسمية عن ارتفاع أسعار مجموعة الطعام والشراب أكثر من 73% في سبتمبر 2023 مقارنة بالشهر ذاته في العام الماضي، ومؤكدًا على أنه يزيد من هذه النسبة سوء السياسة الزراعية وغياب التخطيط.
الخبير الاقتصادي يختتم حديثه قائلًا: “طالما لا توجد سياسة زراعية ولا حسابات للاحتياجات الغذائية الحالية والمستقبلية لتواكب الزيادة السكانية سوف تستمر الأزمات من محصول إلي آخر وبما يعمق أزمة الغذاء وأمراض سوء التغذية بين المصريين”، متوقعا حدوث ارتفاع في أسعار محاصيل زراعية أخرى في الفترة المقبلة مثلما حدث في البصل والطماطم سابقا والبطاطس حاليًا.
فجوة العُروات الزراعية
ومن جانبه، يقول حاتم نجيب- نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة باتحاد الغرف التجارية- ” حاليا نحن في فترة انتهاء “العُروات” الزراعية بمعنى انتهاء موسم زراعي وبداية موسم آخر، ففي التوقيت نفسه من كل عام يحدث نقص في المعروض من أصناف معينة، وعندما يحدث زيادة في الإنتاجية من خلال المحاصيل الجديدة، تحدث انفراجة وتعود الأسعار إلى معدلاتها الطبيعية”.
ويضيف لـ”الحرية” : نحن مُقبلون على موسم زراعي جديد موسم المنيا وموسم الإسكندرية وغيرهم، والتي ستضخ كميات كبيرة من الإنتاج في الأسواق الفترة المقبلة، وبالتالي سيكون هناك ثبات في الأسعار أولًا ثم انخفاض في السعر بشكل تدريجي بحيث لا يكون هناك مؤشر للصعود”.
نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة يُرجع أسباب ارتفاع أسعار البطاطس بهذا الشكل إلى “العُروات”، ويستكمل حديثه قائلًا: “أمامنا حوالى 20 يوم وسيتم إنتاج محصول البطاطس للموسم الجديد، هذه الفترة مؤقتة وليست دائمة وستنتهى في غضون شهر تقريبًا، لذا لابد من تحمُلِها خاصة وأنه ليس لدينا حاليا سوى المخزون الاستراتيجي الموجود في الثلاجات”.
ويوضح نجيب، أن إنتاج مصر سنويًا يختلف من عام لآخر لكنه غالبًا ما يزيد عن 5 مليون طن، مؤكدًا أنه ليس لدينا أزمة أو ندرة في البطاطس، لافتًا إلى أن التغيرات المناخية كان لها تأثيرًا سلبيًا على المنتجات الزراعية والتي أدت إلى ضعف الإنتاجية في كافة المحاصيل الزراعية، ونتج عنها تحركات سعرية للصعود.
نجيب يشير إلى أن أي تضرر لمحصول زراعي ما يكون لفترة مؤقتة، وبمجرد وصول المحصول الجديد يحدث اتزان في الأسواق، حيث يكون هناك إتاحة في المنتج المعروض وينعكس هذا على السوق ويحدث بالطبع انخفاض في الأسعار.
نائب رئيس شعبة الخضروات يؤكد أن مصر لديها فائض من محصول البطاطس عن معدل الاستهلاك المحلى، وبالتالي يتم تصدير كميات كبيرة منها للخارج، موضحًا أن البطاطس التي يتم تصديرها تكون من البطاطس المحلية نفسها لكنها تخضع لمواصفات معينة.
بطاطس الثلاجات
وبدوره يقول حسين أبو صدام – نقيب الفلاحين- ” لا يوجد عجز حاليًا في البطاطس، حيث أن البطاطس الموجودة حاليًا في الأسواق هي بطاطس ثلاجات، بالتالي فهي مرتفعة السعر”.
ويضيف لـ” الحرية”: مصر لديها اكتفاء ذاتي من البطاطس وتُصدر كميات كبيرة منها، حيث تزرع سنويًا من 500 إلى 600 ألف فدان، الفدان الواحد ينتج من 20 إلى 25 ألف طن، يُصدر منها إلى الخارج من 800 إلى 900 ألف طن سنويًا”.
نقيب الفلاحين يتابع قائلًا” البطاطس التي يتم تصديرها إلى الخارج تكون مزروعة ومخصصة للتصدير وليست مثل الموجودة للاستهلاك المحلى، وهى أصناف معينة تكون مطابقة للمواصفات الدولية”.
ويشير أبو صدام إلى أنه ستنخفض أسعار البطاطس خلال شهر ونصف أو شهرين لأنه لا توجد عروة جديدة، موضحًا أنه في حال وجود رقابة على الثلاجات والتجار ستنخفض أسعار البطاطس في السوق المحلى، مستكملًا حديثه قائلًا: “مشكلة البصل والطماطم لم تكن في التصدير بل عدم خروج “عروة” جديدة، وعندما خرجت حدث انخفاض في الأسعار”.
ارتفاع أسعار البصل والطماطم
يُذكر أن أسعار البصل في الآونة الأخيرة قد شهدت ارتفاعًا جنونيًا، حيث وصل سعر الكيلو الواحد إلى حوالي 35 جنيهًا، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى إصدار قرار بوقف تصدير البصل بداية من أكتوبر الجاري وحتى نهاية ديسمبر المقبل، وذلك لضبط الأسعار في الأسواق المحلية.
وفى الفترة نفسها ارتفعت أسعار الطماطم أيضا، وتخطى سعر الكيلو في بعض المناطق 25 جنيهًا، ثم عاودت الانخفاض من جديد بشكل تدريجي.


















