تواجه مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل أخطر منعطف هيكلي في تاريخها الحديث، حيث تعيش السياسة الخارجية للتكتل حالة من الشلل المؤسسي الخانق جراء التمسك بنظام الإجماع في اتخاذ القرارات المصيرية. هذا “الجمود القاتل” منح العواصم الأوروبية فرصة استخدام حق النقض (الفيتو) لتعطيل ملفات حارقة، مما ينذر بتهميش سياسي دولي للتكتل في وقت تتسارع فيه الأحداث الجيوسياسية، وسط تحذيرات دبلوماسية من تحول الاتحاد إلى مجرد مراقب للأزمات بدلا من كونه صانعا للحلول.
قرارات معلقة خلف أسوار “الفيتو”
سجلت الساحة الدبلوماسية تعثرا متكررا في تمرير حزم دعم استراتيجية، حيث توقفت حزمة مالية مخصصة لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو نتيجة اعتراض منفرد، كما تجمدت قرارات فرض عقوبات على مستوطنين متطرفين في الضفة الغربية رغم موافقة الأغلبية الساحقة. ويرى مراقبون أن هذا التباين الحاد لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يكشف عن أزمة إدارة وإرادة سياسية، خاصة مع العجز عن مواكبة التصعيد في الشرق الأوسط أو إدارة الصراع مع روسيا بفاعلية وسرعة.
قاد وزير خارجية جمهورية ألمانيا الاتحادية، يوهان فاديفول، تيارا إصلاحيا يطالب بتغيير قواعد اللعبة، مؤكدا أن نظام الإجماع يبطئ التحرك الدولي ويضعف قدرة المنظومة على المناورة، وانضم إليه رئيس وزراء مملكة السويد، أولف كريسترسون، الذي أشار إلى ضرورة العودة لنظام “الأغلبية المؤهلة” خلال المباحثات المقبلة للقادة الأوروبيين. وفي المقابل، حذر رئيس وزراء مملكة بلجيكا، بارت دي ويفر، من أن إلغاء حق النقض قد يفتح بابا لتعقيدات سيادية تضر بالدول الصغيرة وتعمق الانقسامات بدلا من حلها.
مقترحات جراحية لمستقبل غامض
على صعيد متصل، تصاعدت حدة الانتقادات داخل البرلمان الأوروبي، حيث أكد النائب ناتشو سانشيز أمور أن التكتل يواجه قصورا يظهر بوضوح مع كل ملف جديد، وهو ما يستدعي إصلاحا جذريا يشمل تحويل منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية إلى وزير خارجية بصلاحيات واسعة. كما برزت مقترحات بدمج جهاز العمل الخارجي داخل المفوضية لإنشاء “مجلس أمني أوروبي” يضمن السرعة في الاستجابة للتحديات العالمية المتلاحقة التي لا تنتظر توافق جميع الأعضاء.
وبينما يتشبث البعض بالثوابت التاريخية لحماية السيادة الوطنية، يزداد الضغط الدولي على بروكسل لانتزاع قرار حاسم ينهي حالة “التيه الدبلوماسي”. وتبقى التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة المنظومة على الصمود أمام عواصف التغيير، في ظل حاجتها الماسة لموازنة صعبة بين احترام استقلالية كل عضو وبين الكفاءة المطلوبة للتعامل مع واقع دولي مضطرب يهدد بإزاحة الاتحاد الأوروبي عن مكانته كفاعل رئيسي في السياسة الدولية خلال شهر أبريل الجاري والأشهر القادمة.





















