لم تمر مناقشات مشروع الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027 تحت قبة مجلس النواب بهدوء، إذ شهدت الجلسة العامة موجة واسعة من الاعتراضات والانتقادات من عدد من النواب وممثلي الأحزاب المعارضة، الذين أعلنوا رفضهم للموازنة والخطة الحكومية، معتبرين أنها لا تقدم حلولًا حقيقية للأزمات الاقتصادية المتراكمة، ولا تعكس الأولويات التي ينتظرها المواطن في قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
وجاءت الاعتراضات من اتجاهات سياسية متعددة، لكنها التقت عند مجموعة من النقاط الرئيسية، أبرزها استمرار تصاعد أعباء الدين العام، وضعف الإنفاق الفعلي على الخدمات الأساسية، والاعتماد على مؤشرات وبيانات يرى النواب أنها لا تعبر بدقة عن المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
سعيد: الموازنة لا تواكب المتغيرات الاقتصادية ولا تنصف التعليم
وفي هذا السياق، أعلنت النائبة إيرين سعيد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، رفضها لمشروع الخطة والموازنة، مؤكدة أن التخطيط الاقتصادي لا يمكن أن يستند إلى بيانات مضى عليها عدة سنوات في ظل التحولات المتسارعة التي شهدها الاقتصاد المصري.
وقالت إن الحكومة تبني العديد من مستهدفاتها على نتائج مسح الدخل والإنفاق الذي أُجري عام 2021، متسائلة عن مدى قدرة هذه البيانات على التعبير عن الواقع الحالي بعد سنوات شهدت معدلات تضخم مرتفعة وتغيرات واسعة في مستويات المعيشة والإنفاق.

وأشارت إلى أن الحكومة لم تقدم ردودًا واضحة على التساؤلات التي أثيرت داخل البرلمان بشأن تلك المؤشرات، رغم المطالبات المتكررة بتوضيح الأسس التي اعتمدت عليها في إعداد الخطة.
وأضافت أن الحديث عن معدلات نمو مستهدفة يجب أن يكون مصحوبًا بتفسيرات واقعية تستند إلى معطيات واضحة وقابلة للقياس، معتبرة أن الخطة المطروحة لا تمنح قطاع التعليم المكانة التي يستحقها باعتباره أحد أهم أدوات التنمية البشرية والاستثمار في المستقبل، مؤكده أن حزب الإصلاح والتنمية لا يرى في الخطة الحالية استجابة كافية للتحديات القائمة، ولذلك أعلن رفضه لها بشكل كامل.
عبد العليم داود: آن أوان المحاسبة السياسية للسياسات الاقتصادية الحالية
من جانبه، شن النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، هجومًا حادًا على السياسات الاقتصادية التي انعكست على مشروع الموازنة الجديدة، معلنًا رفض الحزب لها ومطالبًا بإجراء مراجعة شاملة للمسار الاقتصادي خلال السنوات الماضية.
وأكد داود أن الجزء الأكبر من موارد الدولة يذهب حاليًا لتغطية أعباء الدين وخدمته، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة في التوسع بالإنفاق على القطاعات الإنتاجية والخدمية، مشيرا إلى أن أرقام الموازنة تكشف اتساع الفجوة بين ما يتم تخصيصه لسداد الفوائد والالتزامات المالية وبين ما يوجه للاستثمارات العامة، وهو ما اعتبره مؤشرًا على وجود خلل في أولويات الإنفاق.

كما أثار تساؤلات حول عدد من المشروعات والبرامج التنموية التي سبق الإعلان عنها، مطالبًا بتوضيح أسباب تأخر تنفيذ بعضها رغم مرور سنوات على إطلاقها.
وأكد أن المواطن بات يتحمل أعباء اقتصادية متزايدة نتيجة الضرائب والرسوم المختلفة، بينما لا يلمس تحسنًا مماثلًا في مستوى الخدمات العامة، مشددًا على أن استمرار هذا الوضع يتطلب محاسبة سياسية ومراجعة للسياسات القائمة.
ضياء الدين داود: نحتاج إرادة حقيقية للإصلاح ولا يجب أن نبقى مرتهنين لصندوق النقد
بدوره، أعلن النائب ضياء داود رفضه للموازنة الجديدة، مؤكدًا أن مناقشة الموازنة للعام الحادي عشر على التوالي تستوجب وقفة جادة لتقييم النتائج الفعلية للسياسات الحكومية ومدى نجاحها في معالجة المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد.
وأشار إلى أن العديد من المحافظات لا تزال تواجه تحديات تنموية وخدمية واضحة، لافتًا إلى وجود مشروعات لم تستكمل رغم الحاجة الملحة إليها. وأضاف أن تحقيق التنمية لا يقاس فقط بالمؤشرات والأرقام الكلية، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وشعورهم بتحسن مستوى الخدمات وفرص العمل وجودة المعيشة.

وأكد أن الالتزام بالاستحقاقات الدستورية الخاصة بالتعليم والصحة يجب أن يكون أولوية لا تقبل التأجيل، معتبرًا أن مصر تمتلك الإمكانات التي تمكنها من تحقيق معدلات أفضل من النمو والتنمية إذا توافرت الإرادة الحقيقية للإصلاح.
كما حذر من استمرار الاعتماد المفرط على المؤسسات المالية الدولية، مؤكدًا أن بناء اقتصاد قوي ومستقر يتطلب رؤية وطنية قادرة على تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
محمود سامي: الموازنة مبنية على افتراضات غير واقعية
أعلن النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، رفض حزبه لمشروع الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية، معتبرًا أن الافتراضات التي بُنيت عليها الموازنة لا تعكس الواقع الاقتصادي الحالي.
وأوضح أن مستهدفات التضخم وسعر الصرف وأسعار الفائدة الواردة بالموازنة باتت بعيدة عن المؤشرات الفعلية، محذرًا من أن الفجوة بين أسعار الفائدة المقدرة والحقيقية قد تؤدي إلى زيادة تكلفة الدين العام بنحو 600 مليار جنيه، بما يفاقم أعباء الموازنة ويزيد الحاجة إلى الاقتراض.

وأضاف الإمام أن المشكلة لم تعد تقتصر على الدين الخارجي، رغم الإشادة بجهود خفضه، وإنما تتمثل بشكل أكبر في تضخم الدين المحلي وارتفاع تكلفة خدمته، منتقدًا ما وصفه بازدواجية تطبيق سياسات التقشف، وأبدى تحفظه على مستهدفات الاستثمار الواردة بخطة التنمية، متسائلًا عن مصادر تمويل فجوة استثمارية تقدر بنحو 30 مليار دولار، مطالبًا بإعادة هيكلة عدد من الهيئات الاقتصادية لتحسين كفاءتها وإدارتها المالية.
البياضي: إنتوا بتشتغلونا ولا بتستعبطونا؟.. أرقام التعليم والصحة لا تتطابق مع جداول الموازنة
أما النائب فريدي البياضي، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فقد ركز في انتقاداته على طريقة إعداد وعرض الأرقام الواردة بالموازنة، معتبرًا أن الحكومة تكرر النهج نفسه عامًا بعد آخر دون معالجة الملاحظات التي يثيرها النواب.
وأوضح أن مراجعة مخصصات التعليم تكشف وجود تباينات بين الأرقام المعلنة وبين البيانات التفصيلية الواردة داخل الموازنة نفسها، مشيرًا إلى أن الحكومة تدمج بعض البنود عند احتساب الإنفاق على التعليم بما يجعل الصورة النهائية مختلفة عن الاستحقاقات الدستورية المنصوص عليها بشكل واضح.

وأضاف أن المشكلة ذاتها تتكرر في قطاع الصحة، حيث تظهر فجوة بين الأرقام المعلنة والتفاصيل الواردة في الجداول المالية، وهو ما يستدعي – بحسب قوله – توضيحات أكثر دقة من الحكومة بشأن منهجية احتساب الإنفاق ومدى الالتزام الفعلي بالنسب الدستورية المقررة.
وشدد على أن البرلمان والرأي العام من حقهما معرفة الصورة الكاملة بعيدًا عن الأرقام الإجمالية التي قد لا تعكس الواقع الحقيقي للإنفاق.
وتعكس المواقف التي شهدتها الجلسة اتساع دائرة الجدل البرلماني حول مشروع الموازنة الجديدة، في ظل تباين الرؤى بشأن أولويات الإنفاق العام وآليات إدارة الدين العام ومستقبل السياسات الاقتصادية، بينما تتمسك الحكومة بأن الموازنة تستهدف الحفاظ على الاستقرار المالي وتحقيق معدلات نمو أعلى واستكمال برامج التنمية خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضا.. النائب حسن هريدي يفتح ملفات الصحة والمعاشات والكهرباء تحت القبة





















