كتبت: ملك محمد رواش
أصدرت دار الإفتاء المصرية بياناً مفصلاً رداً على الدعوات المطالبة بالمساواة المطلقة في الميراث بين الذكر والأنثى تحت مظلة التطوع أو الاستفتاء الشعبي.
الموقف الشرعي الحاسم
أكدت الإفتاء، أن أحكام الميراث “فرائض إلهية” وليست قابلة للتعديل والنصوص القرآنية قطعية الثبوت والدلالة والمساواة المطلقة تخالف التشريع الإسلامي والثوابت الشرعية ليست محل تصويت أو استفتاء.
التمييز بين التبرع والتشريع
وفرقت الإفتاء بين التبرع الفردي (جائز ومشروع) والتشريع العام المُلزم (غير مقبول) وحذرت من “المغالطة” بين المفهومين ونبهت لخطورة تحويل التبرع إلى إلزام قانوني.
تحذير من مخاطر التغيير
وحذر البيان، من زعزعة قدسية النصوص الشرعية وفتح الباب أمام التأويلات الباطلة وتقويض نظام الأسرة في الإسلام وإثارة الفتنة المجتمعية.
الأسس الشرعية للميراث
وأوضحت الإفتاء أن نظام الميراث الإسلامي يقوم على العدل لا المساواة الحسابية والتوزيع يراعي الأعباء المالية للذكر والنظام متكامل مع أحكام النفقة والوصية ويحقق التوازن الاجتماعي والاقتصادي.
رد على الشبهات
وناقشت الدار مزاعم التبرع الفردي لا ينتج تشريعًا عامًا يلغي أصل جواز التبرع ويجعله إلزامًا قانونيًّا لا خلاف بين العلماء في جواز تبرع الشخص لأخته أو غيرها من ماله أو نصيبه من الميراث أو غيره من الأموال، كما لا يوجد ما يمنع من تبرع الأخت لأخيها ومساعدته من مال الميراث أو غيره أيضًا، إذ التبرع باب من أبواب الإحسان، وهو مشروع ومحمود شرعًا؛ ولكن أن يُتخذ هذا الجواز الفردي ذريعة لاقتراح تشريع عام ملزم يُلغي أصل جواز التبرع علاوة على أحكام المواريث القطعية، فذلك خلط شنيع بين التصرف الفردي والتشريع الإلزامي، وهو مغالطة لا تخفى على ذوي العقول والبصيرة.
والفرضيات الجدلية لا تُنتج أحكامًا شرعية حين يُقال: «لو تراضى المجتمع على المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، فلماذا لا يُشرّع ذلك؟»، فهذه فرضية مفتعلة لا تُغير من الحقيقة شيئًا؛ فإن الأحكام الشرعية توقيفية لا تُغيَّر بالتصويت ولا بالتوافق المجتمعي، خصوصًا وأن من يدعون إلى ذلك أو ينادون به يتغافلون أن من أسماء هذا العلم علم الفرائض جمع فريضة وهو ينزع عنه صفة الفريضة والواجب عند التوزيع إلى صفة الحق فقط، وينسى أن الله تعالى قال في آيات الميراث: {فريضةً من الله} [النساء: 11]، فأحكام الميراث ليست حقًا فقط لصاحبه التبرع به؛ بل واجب وفريضة وليس رأيًا بشريًّا قابلاً للإلغاء أو التطويع؛ وإلا فلمن يأكل ميراث أخته أن يقول بمنطق صاحب الطرح ألا تملك أن تتبرع به لي فلماذا لا آخذه أنا، وهو ليس فريضة كالصلاة إلى غير ذلك من الحجج الواهية، على أن أي مجتمع هذا الذي سيتفق على أن يسلب حقوقه الشرعية المالية من أجل دعاوى لا يطبقها صاحبها على نفسه فضلًا عن غيره ومغالطة القياس على التبرع القياس بين التبرع (وهو مباح) وبين تغيير فريضة الميراث (وهو محظور) هو قياس فاسد، أشبه بمن يقترح توزيع أموال الأغنياء بين الفقراء بالقوة لأنهم «يستطيعون التبرع بها!» فلو كان هذا منطقًا سليمًا، لما بقي حقٌ ثابت ولا مالٌ مصون والمقصد الحقيقي هو زعزعة قدسية النص إن ما يُراد فعليًا من هذه الدعوات ليس المساواة كما يُدعى؛ بل نزع القداسة عن النصوص القطعية، وتحويلها إلى ساحة نقاش وجدال، تمهيدًا للتقليل من أحكام الأسرة وفوضى التأويلات الباطلة إذا قُبل هذا المنطق المخالف فستُفتح الأبواب لكل تأويل باطل، يُقاس فيه المشروع «التبرع» على غير المشروع «تغيير الفرائض»، ويمهد لهدم الضروريات الخمس، تحت غطاء «الاجتهاد المجتمعي»، والواقع أنه إلغاء للشريعة باسم الاجتهاد.
هل يبقى التبرع حقًّا بعد تحويله إلى قانون؟ فإذا ما تم تشريع المساواة في الميراث، فلن يعود التبرع خيارًا؛ بل يُصبح حقًا قانونيًّا يُمكن أن يُقاضى الأخ إن لم يعطِ أخته ما لم يُفرض عليه شرعًا، فيُسلَب الإنسان ماله، ويُحمّل ما لم يُكلّفه الله به، وهذا هو عين الظلم وعلاوة على ما سبق فإن مثل هذه الأطروحات التي تجلب غضب الله لمخالفة تشريعاته والدعوى العامة لذلك، فإنها أيضًا تشوه صورة المجتمع الذي يقبل هذه الدعاوى في أعين وعقول المسلمين في شتى بقاع الأرض كما يفتح الباب الخلفي للجماعات التكفيرية للطعن في المجتمع وتشريعاته واستباحة حرماته فهل نحن بحاجة لمثل هذه الادعاءات؟ والثوابت ليست محل تصويت وهي ليست قاصرة على العبادات أو أركان الإسلام؛ بل كل قطعيات الدين -أي: التي ثبتت بنص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة- سواء في كل مجالات التشريع الإسلامي كما لا يخفى ذلك على العامة فضلًا عمن ينتسب للعلم وإن الدعوة إلى المساواة المطلقة في الميراث، تحت لافتة التطوع أو الاستفتاء الشعبي، ليست إلا ستارًا يراد به نقض الحكم الشرعي، وإسقاط القدسية عن النص، وإلحاق الأمة بركب مفاهيم دخيلة لم تُنتج إلا اضطرابًا وانهيارًا في مجتمعاتها. فالنص القطعي ليس مادة لإعادة التشكيل؛ بل هو نور يُهتدى به، وحدٌّ لا يُتجاوز، فثوابت الشريعة وفرائض المواريث منها ليست مجالًا للتبديل، وواجب المسلمين حماية تطبيقها وتنفيذها وليس تعطيلها واستبدالها.
تحذيرات من تداعيات الخطوة
نبهت الإفتاء إلى مخاطر الغضب الإلهي لمخالفة التشريع وتشويه صورة المجتمع الإسلامي واستغلال الجماعات المتطرفة للفتنة وانهيار الضوابط الشرعية.
دعوة للتمسك بالثوابت
وأكد البيان، أن دار الإفتاء تتابع هذه القضايا باهتمام ومستعدة للرد على أي استفسارات وحريصة على بيان الحق الشرعي ومعززة لدورها كمرجعية دينية معتدلة.
واختتمت الإفتاء بيانها بالتأكيد على حماية الثوابت الشرعية ودعوة العلماء للتصدي لهذه الدعوات وتحذير الأمة من مفاهيم “دخيلة” والتمسك بالنظام الإسلامي “المحفوظ بحفظ الله”.
جاء البيان في سياق تصاعد النقاش حول قوانين الميراث ودعوات بعض الأصوات للتعديل وحساسية الملف الديني والاجتماعي وحرص المؤسسة الدينية على بيان الحق الشرعي.
اقرأ أيضًا: لعدم اكتمال النصاب القانوني.. تأجيل الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين إلى 2 مايو المقبل





















