بعد مرور أكثر من مئة وعشرين يومًا على معركة طوفان الأقصى، بدأ المجتمع الدولي يعي بخطورة السياسات التي يتبعها صُناع القرار، والسلطات الحاكمة، وبينما اعتقد الاستيطان الصهيوني أنه قادر على خداع العالم مرةً أخرى، انتكس أمام الجماهير الغاضبة والرافضة للقرارات الداعمة للإرهاب الأمريكي الصهيوني على قطاع غزة والشعب الفلسطيني والعربي كله.
العدو الديمقراطي رزق؟!
أصبحت غزة منذ أحداث السابع من أكتوبر اختبارًا للضمير الإنساني وللغرب خصوصًا، الذي ادعى العلمانية والحرية على مدار مئتي عامٍ مضت، ومازالوا يرفعون شعارات الاستقلال والمساواة وحق تقرير المصير، ولكن عندما جاءتهم غزة، عادوا جميعًا إلى تراثهم الإمبريالي، وتاريخهم الملطخ بدماء الشعوب البريئة التي استباحت حرياتها ودمائها بل ونزعت عنها آدميتها، وهذا ما كانت تفعله بريطانيا حينها لكي تبرر لشعوبها احتلالها للهند وأجزاء من الوطن العربي، بل حتى وهم يعترفون أنهم مجرمون، يجملون أنفسهم بعبارات مثيرة للسخرية، فها هو المؤرخ البريطاني الأمريكي الراحل برنارد لويس، يقول في كتابه «هوامش على قرن مضى»: «سياق الأحداث أمر غاية الأهمية، غاندي الذي نقدره جميعًا لكفاحه الطويل ضدَّ الإمبريالية البريطانية، التي انتصر عليها في النهاية، نجح في كفاحه لأنه كان يقاتل عدوًا ديمقراطيًا متحضرًا، ما كان غاندي ليصمد أسبوعًا ضدَّ هتلر أو ستالين».
المثال السابق إن كان يدل على شيء، فإنه يدل على النظرة المختلة للدول الرأسمالية والتي اعتمد اقتصادها بالكامل على مستعمراتها، وخصخصتها لمقدرات الدول في قطاع الغذاء والطاقة وغيرها، وللأسف عادت هذه النظرة إبان أحداث السابع من أكتوبر، ولكنها ما لبثت أن بدأت تكشف عوار هذه النظرة، والتي فضحت ازدواجية المعايير في المعسكر الرأسمالي الأوروأمريكي، وانتفضت على إثره الشعوب الحرة، وبدأت دول كثيرة تتذكر سنوات الكفاح ضدَّ الاحتلال، مثل إيرلندا وهولندا، والشعوب الأصلية لأمريكا وأستراليا، وخاصة جنوب أفريقيا، حاملة لواء مناهضة الفصل العنصري، والتي لعبت دور المحامي الأول عن الإنسانية متجسدةً في حقوق الفلسطينيين، حيث قدمت مرافعة في محكمة العدل الدولية، ونجحت في إدانة إسرائيل.
لماذا إسرائيل؟
تندرج إسرائيل تحت مُسمى الكولونية، أي التوسع الاستيطاني، وهذا غير التوسع بهدف الاحتلال، فالمحتل لا يُعنى بنقل شعوبه للعيش في البلد المحتلة عكس من يريد الاستيطان، فهو يهدف إلى إزاحة السكان بأي طريقة كانت حتى وإن وصل الأمر إلى الإبادة والتطهير العرقي، مثلما فعلت الدول الأوروبية في الشعوب الأصلية للأمريكتين، ولم يبقَ منهم إلا نسب قليلة جدًا، وتحافظ الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الرأسمالية على وجود إسرائيل في المنطقة، لأنه يأمن مصالحها في استنزاف الشعوب، ومنع ظهور أي قوة منافسة لها خاصةً على المستوى الاقتصادي، فهي تسعى في المقام الأول على الهيمنة الاقتصادية، وبالتالي تتمكن من الهيمنة السياسية على دول المنطقة، فوجود إسرائيل بالضرورة معناه استمرار للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط.
هولوكوست على الهواء مباشرة
شاهدنا جميعًا دموع المتحدث الرسمي باسم وزير الأمن القومي، جون كريبي، حينما قُتِل أطفال أوكرانيون إثر قصف روسي، والحقيقة إن هذا أمر محزن ويؤلم ضمير كل حر وشريف في العالم، فلا مبرر للقتل، ولكن كان الموقف مع أطفال فلسطين مختلفًا تمامًا وكان أقصى ما عبر عنه أنه يشعر بالقلق إزاء الانتهاكات التي تقوم بها إسرائيل بدون قصد؟!!، بل ووصل به الأمر في تصريح له، أن نفى أن يكون هناك ضحية في غزة، وهذا حقًا يدعو للتساؤل، فبينما يقرأ شعوب الغرب ويربون أطفالهم على مأساة الهولوكوست، وعن مدى الظلم الذي تعرض له اليهود، وغيرها من السرديات الجنائزية، فهذا الهولوكوست موجود في الكتب الصفراء وفي صور بالأبيض والأسود، ولكن صار العالم اليوم يشاهد هولوكوستًا على الهواء مباشرة، وخرجت مع ذلك أصوات تنفي تهمة الإبادة الجماعية عن إسرائيل، ما وضع مسؤولي البيت الأبيض في حرج شديد، ولما أحس الاتحاد الأوروبي أن موقفه أمام الجماهير يتداعى ويسقط، استقدم مسؤول السياسية الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل ممثلين عن فلسطين والاحتلال، بحضور ممثلي الاتحاد الأوروبي أنفسهم، وكان رد ممثل الاحتلال صادمًا ومستفزًا، إذ طالب بإنشاء جزيرة صناعية لكي يعيش فيها الفلسطينيون، حتى إن تصريحات المسؤولين الأوروبيين بعد تلك الواقعة امتلأت بالتخبط والإحراج بسبب دفاعهم عن إسرائيل في بداية عدوانها على غزة، وصوَّت الاتحاد الأوروبي بعدها بالإجماع على وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية للقطاع، ولكن إسرائيل لم تنصاع لأي قرارات دولية، واحتمت في الڤيتو الأمريكي، الذي أعطاها الضوء الأخضر لقتل وإبادة الفلسطينيين، والآن أمريكا في حرج من أمرها، حتى وصل الأمر ببلينكن أن أدان نتنياهو مذكرًا إياه بالأطفال الذين راحوا ضحايا تهوره، وكان رد نتنياهو أن ألقى اللوم على حماس، وتحاول الولايات المتحدة الآن إزاحة الجرم عن إسرائيل، بإحالة الصراع إلي نزاع بينها وبين إيران وأذرعها في المنطقة.
ماذا بعد الحرب؟
بعد أحداث 7 أكتوبر، وبعد أن يتوقف العدوان، ومهما اختلفت التكهنات وآراء المحللين، فإن إسرائيل سقطت سقوطًا مدويًا على المستوى الإعلامي، وأصبح كل من يدعم الاحتلال الإسرائيلي مدانًا، بتأييد الإبادة الجماعية، ولن تستطيع إسرائيل محو صفة القتل والإبادة الجماعية، خاصة وإن محكمة العدل الدولية قبلت الدعوة ضدَّ إسرائيل، بالإضافة إلى كل هذا فقد انتهى مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي هو وليكوده، ووزرائه الدواعش، أمثال الإرهابي إتمار بن غفير، وسيمورتش وغيرهم، وهو مُعرض للمحاكمة الجنائية، والملاحقة القانونية، أما مستقبل فلسطين، فلن تحدده سوى الأيام القادمة، والموقف العربي الذي يجب عليه أن يحرق أوراقه القديمة أتجاه القضية ويضع أمامه أوراقًا جديدة تحقق التسوية الشاملة والعادلة للقضية الفلسطينية، والتي اعتبرتها الكثير من الأنظمة العربية مسألة تجارية، تتذرع بها لتجميل حكمها.




















