البشير عبيد / تونس
لم يكن السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حدثًا عابرًا في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني، و لا مجرد جولة جديدة من جولات المواجهة العسكرية التي عرفتها المنطقة طوال العقود الماضية. فقد جاء هذا اليوم ليكشف، مرة أخرى، أن القضية الفلسطينية لم تفقد موقعها المركزي في الصراع، وأن محاولات تجاوزها أو اختزالها في ترتيبات أمنية واقتصادية لم تستطع إلغاء حقيقتها السياسية والتاريخية.
فمنذ قيام إسرائيل عام 1948، ظل الصراع العربي ـ الصهيوني مفتوحًا على احتمالات متعددة، رغم التحولات العميقة التي عرفها النظام الإقليمي والدولي. تغيرت خرائط المنطقة، وتبدلت أنظمة وتحالفات، ووقعت اتفاقيات سلام، وظهرت أولويات جديدة، لكن القضية الفلسطينية بقيت دون تسوية عادلة، وظلت الأرض الفلسطينية مسرحًا لصراع لم تنجح القوة العسكرية في حسمه.
و بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل ذلك التاريخ. فقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة تتداخل فيها الحرب والسياسة، والأمن والدبلوماسية، والقضية الفلسطينية مع التحولات الكبرى في النظام الدولي. كما أصبح السؤال لا يتعلق فقط بما حدث في ذلك اليوم، وإنما بما تركه من آثار عميقة في وعي الفلسطينيين والعرب والعالم، وما يمكن أن يترتب عليه من تحولات في مستقبل الصراع.
طوفان الأقصى وإعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الصراع الدولي
أعاد السابع من أكتوبر القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بصورة يصعب تجاهلها. فقد استطاع الحدث أن يكسر حالة الجمود التي أحاطت بالقضية خلال سنوات طويلة، وأن يضع مسألة الاحتلال والأرض و الحقوق الفلسطينية في قلب النقاش الدولي من جديد.
كانت القضية الفلسطينية، قبل ذلك، تعاني من تراجع نسبي في سلم الاهتمامات الدولية، خصوصًا في ظل صعود أزمات دولية أخرى، والحرب في أوكرانيا، والتنافس بين القوى الكبرى، والتحولات الاقتصادية والاستراتيجية في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، بدت بعض المسارات السياسية العربية تتجه نحو إقامة علاقات جديدة مع إسرائيل، في وقت كان فيه الملف الفلسطيني يتراجع تدريجيًا من أولويات عدد من العواصم.
لكن السابع من أكتوبر قلب هذه المعادلة. فالمواجهة التي بدأت في ذلك اليوم لم تبقَ محصورة في حدود غزة، وإنما تحولت إلى أزمة إقليمية ودولية واسعة. و أصبحت صور الحرب والدمار والضحايا المدنيين حاضرة في الإعلام العالمي، وفرضت القضية الفلسطينية نفسها مجددًا على الحكومات والمؤسسات الدولية والرأي العام العالمي.
الأهم من ذلك أن الحرب أعادت طرح السؤال الأساسي: هل يمكن بناء استقرار دائم في الشرق الأوسط مع استمرار الاحتلال وغياب حل عادل للقضية الفلسطينية؟
لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن تجاهل هذا السؤال لا يؤدي إلى إلغائه، وإنما يؤجل انفجاره. فالاستقرار الذي يقوم على إدارة الصراع بدل معالجة جذوره يظل استقرارًا هشًا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار كبير.
كما أحدثت الحرب تحولًا في صورة القضية الفلسطينية داخل قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وخصوصًا بين الأجيال الجديدة التي شاهدت يوميًا ما يجري في غزة. ولم تعد القضية، بالنسبة إلى كثيرين، مجرد ملف دبلوماسي بعيد، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأسئلة العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
تكمن إحدى النتائج الكبرى للسابع من أكتوبر عودة الصراع إلى أساسه السياسي والتاريخي، و اثبات ان محاولة اختزال القضية في الجانب الأمني وحده لا يمكن أن تنتج سلامًا دائمًا.
إسرائيل ” بين التفوق العسكري وأزمة الرؤية السياسية ”
دخلت إسرائيل الحرب وهي تمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا هائلًا، إلى جانب دعم سياسي وعسكري غربي واسع. غير أن مسار الحرب أظهر أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يكفي وحده لحسم صراع ذي أبعاد سياسية وتاريخية عميقة.
لقد كشفت الحرب حدود القوة حين لا تكون مرتبطة برؤية سياسية واضحة للمستقبل. فإدارة العمليات العسكرية شيء، والإجابة عن سؤال اليوم التالي شيء آخر تمامًا. ويمكن للقوة أن تدمر بنى عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج تسوية سياسية، ولا أن تلغي المطالب الوطنية لشعب بأكمله.
واضح و جليً ان أكبر المعضلات التي واجهها الكيان الصهيوني خلال الحرب: ماذا بعد العمليات العسكرية؟ و ما شكل العلاقة مع غزة؟ و من يدير القطاع؟ و كيف يمكن منع تكرار المواجهة؟ و هل يمكن تحقيق الأمن بعيدًا عن معالجة أصل المشكلة الفلسطينية؟
هذه الأسئلة بقيت مفتوحة، رغم مرور سنوات على بداية الحرب، وأكدت أن المأزق لا يتعلق فقط بالقدرة على خوض الحرب، وإنما بالقدرة على صياغة مشروع سياسي قابل للحياة.
في المقابل، دفعت الحرب المجتمع الإسرائيلي نفسه إلى مواجهة أسئلة داخلية عميقة حول الأمن، والمسؤولية السياسية، وإدارة الدولة، وحدود القوة العسكرية، وطبيعة العلاقة بين الاعتبارات الأمنية والسياسية.
أما فلسطينيًا، فقد كانت الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب هائلة. غزة دفعت ثمنًا بالغًا، وتعرض سكانها لدمار واسع ونزوح ومعاناة إنسانية كبيرة. ومع ذلك، لم تختفِ القضية الفلسطينية، بل ازدادت حضورًا في الخطاب العالمي.
هنا تظهر مفارقة أساسية: كلما اتسعت دائرة الدمار، ازداد السؤال السياسي إلحاحًا. فإعادة إعمار غزة ليست مجرد مسألة مالية أو عمرانية، وإنما ترتبط بمستقبل القطاع وموقعه في المشروع الوطني الفلسطيني، وبطبيعة العلاقة بين غزة والضفة الغربية، وبمستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله.
كما أن استمرار الانقسام الفلسطيني لم يعد يحتمل التأجيل. فالتحديات التي فرضتها الحرب تحتاج إلى إعادة بناء البيت الفلسطيني على قاعدة سياسية جامعة، قادرة على التعامل مع المرحلة الجديدة، وعلى تحويل التضحيات الهائلة إلى مشروع سياسي يحفظ الحقوق الوطنية.
إن المعركة الحقيقية بعد الحرب لن تكون فقط على الأرض، وإنما أيضًا على الرواية، والشرعية، والقدرة على بناء المستقبل.
المنطقة العربية والنظام الدولي: أي مستقبل بعد ثلاث سنوات؟
لم يكن تأثير السابع من أكتوبر فلسطينيًا وإسرائيليًا فقط، بل امتد إلى كامل المنطقة وإلى النظام الدولي. فقد أعادت الحرب رسم بعض خطوط التنافس الإقليمي، وأظهرت أن الشرق الأوسط لا يزال يحتل موقعًا استراتيجيًا مركزيًا في حسابات القوى الكبرى.
لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة صعبة: دعم إسرائيل من جهة، ومحاولة احتواء تداعيات الحرب ومنع توسعها إقليميًا من جهة أخرى. أما القوى الأوروبية، فقد وجدت نفسها أمام ضغط شعبي متزايد بسبب حجم الكارثة الإنسانية في غزة، في الوقت الذي حاولت فيه الحفاظ على علاقاتها السياسية والأمنية مع إسرائيل.
وفي العالم العربي، كشفت الحرب مرة أخرى حجم الفجوة بين الموقف الشعبي والمواقف الرسمية. فقد ظلت فلسطين حاضرة بقوة في الوجدان العربي، وأظهرت الأحداث أن القضية لم تفقد قدرتها على تحريك الشارع العربي، رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة.
ومن جهة أخرى، برزت أدوار إقليمية جديدة، وتداخلت ملفات غزة مع ملفات لبنان وسوريا وإيران والبحر الأحمر، بما جعل احتمال توسع الحرب مصدر قلق دائمًا للمجتمع الدولي.
أما على مستوى النظام الدولي، فقد أظهرت الحرب أزمة عميقة في منظومة القانون الدولي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتطبيق القواعد ذاتها على أطراف مختلفة. وقد انعكس ذلك على صورة المؤسسات الدولية وعلى ثقة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي بقدرتها على فرض قواعد موحدة.
لكن التحول الأهم ربما يتمثل في أن القضية الفلسطينية لم تعد قابلة للإبقاء عليها في الهامش. فحتى الدول التي كانت تتعامل معها باعتبارها ملفًا ثانويًا باتت تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في مقاربتها.
ومن هنا فإن السنوات المقبلة ستكون حاسمة. فإما أن تتحول نهاية الحرب إلى فرصة لإطلاق مسار سياسي جديد يقوم على الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وإما أن تعود المنطقة إلى دائرة إدارة الأزمات المؤقتة، بما يعني استمرار أسباب الانفجار.
إن أي تصور جدي للمستقبل لا يمكن أن يقوم على إعادة إنتاج الوضع الذي سبق السابع من أكتوبر. فذلك الوضع أثبت فشله بصورة واضحة. كما أن إعادة إعمار غزة، رغم ضرورتها القصوى، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الحل السياسي.
المطلوب هو الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره، ومن التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم ملفًا أمنيًا إلى الاعتراف بهم باعتبارهم شعبًا له حقوق وطنية وسياسية واضحة.
بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، تبدو القضية الفلسطينية أمام مرحلة مفصلية. لقد تغيرت معطيات كثيرة، لكن جوهر الصراع لم يتغير: أرض محتلة، وشعب يبحث عن حريته وحقوقه، ودولة إسرائيلية تمتلك قوة عسكرية كبيرة لكنها لم تستطع بالقوة وحدها أن تنهي الصراع.
لقد اثبت التاريخ أن الحروب لا تستطيع وحدها صناعة السلام، فإن اللحظة الراهنة تفرض على الأطراف الإقليمية والدولية البحث عن صيغة جديدة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتفتح الطريق أمام حل سياسي عادل.
فالمستقبل لن تحدده فقط نتائج المعارك، وإنما أيضًا القدرة على تحويل اللحظة التاريخية التي صنعها السابع من أكتوبر إلى بداية لمسار مختلف.
مسار يعيد الاعتبار للعدالة والحقوق، ويضع القضية الفلسطينية في موقعها الطبيعي باعتبارها إحدى القضايا المركزية في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام سلام حقيقي لا يقوم على القوة وحدها، بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة الإنسانية.
لقد دخل الصراع العربي ـ الصهيوني مرحلة جديدة، وربما يكون السؤال الأهم بعد ثلاث سنوات من الحرب هو: هل يستطيع المجتمع الدولي أن يتعلم من دروسها، أم أن المنطقة ستظل تدور في الحلقة ذاتها؟
الإجابة لن تكون سهلة، لكنها ستحدد إلى حد بعيد شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
– كاتب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي/ الصهيوني.






















