في الخلافات الاجتماعية والأسرية، وما يتبعها من نزاع وخصام أو شقاق وافتراق، تظهر أزمة العيش في الماضي، واجتراره، واستحضار آلامه، بشكل يعيق السلام النفسي والعائلي، ويهدد جودة علاقات ومعاملات ما بعد الأزمة، ما يستلزم اتخاذ خطوات وعي وتحرر.
“في حياة كل إنسان لحظة.. لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها”، كما قال الأديب الراحل أحمد خالد توفيق، وهي اللحظة الإنسانية الفارقة التي تظهر بوضوح مع البداية الوردية للعلاقات، أو عند نشوب الخلافات في نهايتها، ولهذا يجب أن يعتني كل إنسان بالخواتيم في العلاقات والمعاملات كجودة اعتنائه بالبدايات، لتقويض آلام الماضي من المنبع.
إن تفعيل منظومة “الأثر الطيب” في العلاقات والمعاملات، هي آلية مهمة لصناعة ماضي ايجابي، يحكمه جمال البداية والسيرة والمسيرة والنهاية، لأن المقابل، ترك أثر سلبي، يصاحبه معاملات سوء وعلاقات سامة، ومن هذا حذر الكاتب الاجتماعي الراحل عبد الوهاب مطاوع بقوله: ( إن أخلاق البشر الحقيقية هي أخلاقهم التي تتبدى عند الخلاف والنزاع والخصام، وليست تلك التى نتعامل معها فى أيام الصفاء والوئام).
إن التحرر من اجترار الماضي، المليء بالآلام والأثر السلبي، يجب أن يتم عبر الاعتناء بمساحات التعلق الروحاني بالعلي الأعلى، بالتزامن مع التفاعل مع سبل التنمية البشرية و التعافي النفسي، بإيمان معرفي كامل أن العيش في الماضي واستحضاره يفسد الحاضر ويبني الحواجز أمام المستقبل، وبتركيز واضح على أهمية التعلم من الماضي لا العيش فيه واجتراره .
لا بد من اللجوء إلى المستشارين المختصين للمساعدة إذا لزم الأمر في الاستفادة من دروس الماضي، واعتبارها عامل تحفيز للنجاة والتعافي والنجاح في تطوير الحاضر وبناء المستقبل، في مناخ يعلي التسامح والتصالح، فيما يمكن التسامح فيه والتصالح عليه، مع مفارقة الأشخاص المؤذيين والعلاقات المؤذية، وسعي الحكماء في الدوائر المحيطة لجبر الضرر والإنصاف لكل من وقع في غبن أثناء العلاقة أو المعاملة.
إن العيش في آلام الماضي معطل ومدمر، وإن في الحياة متسع لبداية جديدة ونظرة جديدة بشكل لا يعيق الحقوق، ولا يشوش على الحاضر، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون الراغبون في علاقات أفضل ومعاملات طيبة وحياة سوية دون الوقوع في قبضة الماضي الأليم، وصدق من قال: “ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها”.






















