تقرير : ضحى ناصر
تتجه أنظار المتابعين للشأن العربي نحو عمان لتتبع تجربة قيادية شابة تتبلور في شخص ولي العهد الأردني، الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، لاسيما بعد صدور الإرادة الملكية بتعيينه نائباً لوالده وتأديته اليمين الدستورية لمباشرة مهام إدارة الدولة والأعمال الملكية أثناء سفر الملك عبد الله الثاني. فمنذ تنصيبه رسمياً عام 2009 ولياً للعهد، أظهر الأمير الشاب حضوراً يتجاوز الأدوار البروتوكولية التقليدية، ليمثل نموذجاً للجيل الجديد من القيادات العربية التي توازن بين التزامات المؤسسة الملكية والتحديات الهيكلية المتمثلة في الاقتصاد وتمكين الشباب.
التنسيق مع القاهرة وثوابت الأمن القومي العربي
تكتسب تحركات ولي العهد الأردني اهتماماً خاصاً في الأوساط السياسية المصرية، نظرًا لعمق العلاقات التاريخية والشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وعمّان. وقد تجلى ذلك بوضوح عقب اندلاع الأزمة في قطاع غزة؛ حيث زار الأمير الحسين القاهرة مندوباً عن والده ليعقد مباحثات رفيعة المستوى مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، معلنين موقفا أردنيا–مصريًا موحدًا يرفض تماماً مخططات تهجير الفلسطينيين وتصفية القضية.
إذ يمثل حضور الأمير الحسين في المباحثات الثنائية ومشاركته في المبادرات الإغاثية لغزة تأكيداً على امتداد المدرسة العروبية للبيت الهاشمي،والتي تضع الأمن القومي العربي والحقوق الفلسطينية المشروعة في صدارة أولوياتها الدبلوماسية.
ممارسة سلطة الحكم: أبعاد أداء اليمين الدستورية “نائباً للملك“
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، تشكل ممارسة الأمير الحسين لمهام “نائب الملك” وأداؤه اليمين الدستورية وفقاً للمادة (28) من الدستور الأردنيمحطة محورية تقرؤها الدوائر السياسية بأبعاد رئيسية:
الممارسة الميدانية لإدارة الدولة: يتيح التكليف الدستوري لولي العهد ممارسة كافة الصلاحيات الممنوحة للملك أثناء سفره للخارج، مثل إصدار الإرادات الملكية، وتصديق القوانين، وترؤس بعض جلسات مجلس الوزراء، مما يكسبه خبرة عملية مباشرة في مطبخ القرار الأردني.
وهي خطوة تعكس حجم الثقة والاعتماد المتبادل بين الملك وولي عهده بشكل يتجاوز حدود المعهود داخل أروقة القصور الملكية، حيث يتولى متابعةالملفات الوطنية الحساسة وتسريع تنفيذ الاستراتيجيات الحكومية.
تأهيل عسكري وأكاديمي على التقاليد الهاشمية
ولم تكن تلك الخطوة وليدة اللحظة بل جرى الإستعداد لها ربما منذ السنوات الأولى في حياة الأمير الذي ولد في عمّان عام 1994، وأتم تعليمه الأكاديمي بالحصول على البكالوريوس في التاريخ الدولي من جامعة جورجتاون بواشنطن عام 2016. وامتداداً للتقاليد العسكرية للأسرة الحاكمة،تخرج عام 2017 من أكاديمية “ساندهيرست” العسكرية الملكية ببريطانيا، ويحمل حالياً رتبة نقيب في القوات المسلحة الأردنية.
رؤية سياسية تعتمد على تعزيز القدرات ومواجهة التحديات الاقتصادية
وفي مقابلة تلفزيونية بارزة مع قناة العربية، لخص الأمير رؤيته السياسية والاقتصادية قائلاً:
«أولويتي أن يكون الأردن أقوى، وأن نعتمد على أنفسنا، وأن يكون لدينا اكتفاء ذاتي»*.
وهو ما اعتبره المتابعون توجيهاً واضحاً للحكومات والمؤسسات الأردنية للتحول نحو بناء اقتصاد وطني يعتمد على الموارد المحلية بدلاً من الارتهانللقروض والمساعدات الخارجية.
وبحسب تحليل السياسي د. هشام النجار، فإن البيت الملكي الأردني يحافظ على خطه الوطني العروبي الداعم للمصالح العربية العليا، والمحارب للتطرف والتدخلات الإقليمية التوسعية، وهو المنهج الذي يتمسك به ولي العهد الأردني.
تمكين الشباب: من المبادرات الوطنية إلى منصات الأمم المتحدة
يقود ولي العهد الأردني جهوداً ملموسة لدمج الشباب في الحياة السياسية والاقتصادية ومواكبة الثورة الصناعية الرابعة من خلال “مؤسسة ولي العهد” (تأسست 2015). وتتلخص أبرز المبادرات الوطنية في:
جامعة الحسين التقنية وFABLAB: لدعم التعليم التطبيقي وتقنيات التصنيع الرقمي.
مبادرة “سمع بلا حدود” ومنصة “نَحْنُ“: لدعم الأطفال ذوي التحديات السمعية وتطوير العمل التطوعي بالتعاون مع اليونيسيف.
مبادرات “حقق” و“تحصين“: لتنمية مهارات القيادة ونبذ الفكر المتطرف.
مبادرة “قصي” و“مسار“: لرفع سلامة الكوادر الرياضية ودعم التخصصات التقنية والهندسية.
كما سجل حضوراً دولياً بارزاً برئاسته جلسة مجلس الأمن الدولي عام 2015 كأصغر رئيس جلسة في تاريخه لمواجهة الإرهاب، وإلقائه كلمة الأردن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 لتسليط الضوء على معاناة الشباب العربي من اقتصادات الحرب.
استقرار أسري وتقاطع قيادي إقليمي
شهدت الحياة الأسرية لولي العهد محطة بارزة بزواجه في يونيو 2023 من المهندسة المعمارية الأميرة رجوة الحسين (رجوة آل سيف)، وفي أغسطس 2024 رُزقا بمولودتهما الأولى، الأميرة إيمان.
ويتقاطع الأمير الحسين فكرياً وتدريبياً مع نظرائه من القيادات الشابة بالمنطقة، كسمو الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية،وسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي؛ حيث تجمعهم الخلفية العسكرية في أكاديمية ساندهيرست والرؤية الطموحة للتحول الرقمي والارتقاء بالتعليم. ورغم اقتصار مهام ولي العهد الأردني على الطابع الدستوري دون سلطات تنفيذية مباشرة، إلا أن حراكه المكثف يرسخ موقعه كأحد أبرز الوجوه الشابة المؤثرة في مستقبل المنطقة العربية.



















