رغم تصاعد شكاوى المحامين من استمرار إهدار حقهم القانوني في تحصيل أتعاب المحاماة، لا تزال الأزمة قائمة دون حلول عملية، في ظل ما يصفه محامون بـ«التقاعس النقابي» عن التعامل الجاد مع الملف، وعلى رأسه أداء نقيب المحامين عبد الحليم علام تجاه وزارة العدل ومجلس الدولة، بوصفهما الجهتين المنوط بهما تنفيذ النصوص القانونية المنظمة لتحصيل هذه الأتعاب.
وفي فترات سابقة، أعلن عبد الحليم علام اهتمامه بتحسين عملية تحصيل أتعاب المحاماة، مؤكدًا أن النقابة سعت إلى تحصيل الأتعاب أولًا بأول من وزارة العدل ومن مجلس الدولة، بعد أن كانت تُحصّل على فترات طويلة، ما كان يؤثر على موارد النقابة المالية.
إلا أن هذه التصريحات لم تترافق مع إعلان آليات واضحة وملزمة للتحصيل، ما دفع المحامين للتساؤل عن جدوى هذه الجهود على أرض الواقع.
تحصيل أتعاب المحاماة
فمنذ سنوات، أقرّ قانون المحاماة حق المحامي في أتعاب تُحصّل نظير جهده، باعتبارها ضمانة أساسية لاستقلال المهنة وحماية أوضاع أعضائها الاقتصادية، إلا أن هذا الحق ظل معطّلًا على أرض الواقع، وسط غياب آلية تنفيذية واضحة وملزمة، ما فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة داخل الوسط النقابي حول أسباب عجز النقابة العامة عن فرض تطبيق القانون أو انتزاع التزامات صريحة من الجهات المختصة.
ويؤكد محامون أن تحركات النقيب الحالي لم تتجاوز الإطار البروتوكولي، حيث اقتصرت على تصريحات عامة واجتماعات مغلقة لم تُعلن نتائجها، دون لجوء إلى تصعيد قانوني أو تفاوضي حقيقي، أو استخدام الأدوات الدستورية والنقابية التي يتيحها القانون للدفاع عن مصالح المحامين، الأمر الذي عمّق الشعور بأن ملف الأتعاب لا يحظى بالأولوية المطلوبة.
عهد الراحل رجائي عطية
وعند استدعاء المقارنة بعهد النقيب الراحل رجائي عطية، يبرز اختلاف واضح في أسلوب إدارة هذا الملف الحساس.
فبحسب محامين عاصروا تلك المرحلة، حرص رجائي عطية على توجيه مخاطبات رسمية مكتوبة إلى وزارة العدل، طالب فيها بتفعيل تحصيل أتعاب المحاماة ووضع آلية تنفيذية واضحة تضمن الالتزام بنصوص قانون المحاماة دون انتقائية أو تعطيل.
كما اتخذ النقيب الراحل مواقف علنية مباشرة، حيث طرح ملف الأتعاب صراحة في اجتماعات الجمعية العمومية، واعتبر تعطيل تحصيلها مساسًا مباشرًا باستقلال المحاماة وهيبة المحامي، واضعًا الجهات التنفيذية أمام مسؤولياتها القانونية، وهو خطاب وجد صدى واسعًا بين المحامين، حتى وإن لم تُستكمل نتائجه لأسباب خارجة عن إرادة النقابة آنذاك.
وفي السياق ذاته، اتسمت تلك المرحلة بوجود قرارات نقابية داعمة، تمثلت في إدراج أتعاب المحاماة ضمن أولويات مجلس النقابة، وربط أي حوار مؤسسي مع وزارة العدل أو الجهات القضائية بملف الحقوق الاقتصادية للمحامين، في محاولة لفرض توازن تفاوضي يحفظ للنقابة وزنها التاريخي ودورها المهني.
الآداء النقابي في عهد عبد الحليم علام
في المقابل، يرى محامون أن الأداء النقابي في عهد عبد الحليم علام، شهد تراجعًا ملحوظًا مقارنة بتلك المرحلة، حيث غابت المخاطبات العلنية المعلنة للرأي العام النقابي، ولم يُطرح ملف الأتعاب بشفافية داخل الجمعية العمومية، كما لم تصدر قرارات واضحة تُترجم التصريحات إلى إجراءات عملية، ما عزز حالة الإحباط وفقدان الثقة بين القاعدة النقابية وقيادتها.
ويحذر محامون من أن استمرار هذا النهج لا يقتصر أثره على الجانب المادي للمهنة فحسب، بل ينعكس سلبًا على مكانة المحامي داخل منظومة العدالة، ويُضعف قدرته على أداء دوره باستقلالية، في وقت تتطلب فيه المرحلة قيادة نقابية قادرة على انتزاع الحقوق لا الاكتفاء بإدارتها أو تأجيلها.
وفي ظل هذا المشهد، تتزايد الدعوات داخل أوساط المحامين لإعادة فتح ملف أتعاب المحاماة بشفافية كاملة، ومراجعة أداء النقيب ومجلس النقابة في هذا الملف تحديدًا، ومحاسبة كل من قصّر في الدفاع عن حق قانوني أصيل، قبل أن يتحول النص التشريعي إلى مجرد حبر على ورق، وتدفع المحاماة ثمن غياب الإرادة والحسم النقابي.
اقرأ أيضًا: إلى أين وصلت أزمة الرسوم القضائية في نقابة المحامين؟.. تصعيد بلا فائدة وإضراب دون نتيجة (تقرير)



















