إسلام عوض
الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية
زلزال فبراير
لم يكن فجر الثامن والعشرين من فبراير عام 2026 مجرد انقشاع لظلام ليل، بل كان شرارة لانبثاق جغرافيا سياسية جديدة كُتبت فصولها بالحديد والنار في إقليم لم يهدأ صراعه يوماً. تعيش المنطقة اليوم تحت وطأة ما يُعرف بـ “الملحمة الكبرى”؛ وهي حرب استنزاف طاحنة تتصاعد فيها سحب الدخان من حقول النفط ومستودعات الذخيرة، لتعيد رسم موازين القوى بين اللاعبين الإقليميين والدوليين. وبين هدير الصواريخ الإيرانية الموجهة نحو مفاصل الإمداد، وأزيز المقاتلات الأمريكية الساعية لفرض معادلات الردع، يقف العالم مشدوهاً أمام مشهد بالغ التعقيد، تتداخل فيه لغة الدبلوماسية الماكرة بصوت المدافع الهادرة.
الكويت: فخ الردع والرماد
في هذه المواجهة الإقليمية الشرسة، لم تجد دولة الكويت نفسها في موقع النائي عن اللهب، بل تحولت أجواؤها ومنشآتها الحيوية إلى مسرح لضربات إيرانية مركزة وعنيفة. لم يكن هذا الاستهداف وليد الصدفة العابرة، بل جاء متسقاً مع عقيدة عسكرية إيرانية ممنهجة تعتمد على تفكيك “الحلقات اللوجستية” الأكثر حرجاً للوجود الأمريكي، وتوجيه رسائل ردع دموية لواشنطن عبر أربعة محاور إستراتيجية:
تجنب صدام الأساطيل الثقيلة: تمتلك الولايات المتحدة في مياه الخليج وبحر العرب مدمرات وحاملات طائرات محمية بمنظومات الدفاع الجوي المتطورة جداً من طراز “إيجيس”، وإدراكاً من إيران بأن قصف هذه القطع مباشرة سيعني حرباً تدميرية شاملة لداخلها، اختارت ضرب “الأهداف الثابتة والمكشوفة” على الأرض، حيث تقع الكويت جغرافياً في المرمى المباشر للصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية.
خنق الشريان اللوجستي (قطع أطراف الأخطبوط): يُعد معسكر عريفجان الكويتي بمثابة المقر الرئيسي لقيادة الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط والعصب اللوجستي لتحركاته الإقليمية، بينما تضم قاعدة علي السالم الجوية الجناح الأكبر للتموين والتحليق الجوي. والقصف الإيراني لا يستهدف الأفراد فحسب، بل يسعى لشل القدرة على الحركة وتدمير مستودعات الذخيرة وخطوط إمداد الوقود، معطلاً بذلك ذراع واشنطن العسكرية.
إصابة منظومات الإنذار بـ “العمى المؤقت”: تحتضن الكويت، خاصة في المواقع الشمالية كقاعدة الأديرع، رادارات أمريكية ومحطات تجسس إلكتروني ترصد الأجواء الإيرانية وتمرر المعلومات للمقاتلات الأمريكية، واستهداف طهران لهذه المواقع يهدف لعزل القوات الأمريكية استخباراتياً وحرمانها من عيونها التكنولوجية.
الضغط بفاتورة إعمار الحلفاء: ترتبط واشنطن باتفاقية دفاع مشترك مع الكويت منذ عام 1991 تلزمها بحمايتها، ومن خلال ضرب محطات الكهرباء، وتقطير المياه، ومنشآت النفط، تضع إيران أمريكا في حرج سياسي وأخلاقي أمام حلفائها عبر إظهارها عاجزة عن حمايتهم، مراهنة على أن فواتير التعويض والتأمين ستجبر الكونجرس والبنتاغون على دفع الإدارة الأمريكية نحو التهدئة.
وفي المقابل، تقف الجبهة الداخلية والدبلوماسية الكويتية صامدة، نافية تقديم أي تسهيلات هجومية، ومستنكرة هذا العدوان الآثم الذي يستهدف المنشآت المدنية والاقتصادية للدولة.
صمود الديرة: الجدار الشعبي في وجه الإعصار
وسط هذا الوعيد والرماد المنهمر، لم تكن الكويت مجرد ساحة جغرافية مستسلمة للأقدار؛ بل تحركت جبهتها الداخلية بعقيدة الصمود التاريخي ذاتها التي تملكها “الديرة”. تفجرت ملامح هذا الصمود في مستويين متوازيين:
التلاحم الشعبي وهندسة الطوارئ: أظهر المجتمع الكويتي تماسكاً استثنائياً، حيث تداعى المواطنون والمقيمون لتدشين لجان الدفاع المدني والتطوع، بينما نجحت الأجهزة الفنية للدولة في تفعيل “خطط البدائل السريعة” لإصلاح محطات تحلية المياه وتوليد الكهرباء في أوقات قياسية تحت القصف، مما أفشل خطة طهران لشل الحياة اليومية.
الصلابة الدبلوماسية المعاكسة: لم تنحنِ الدبلوماسية الكويتية أمام الضغط الصاروخي، بل قادت تحركاً مكثفاً في أروقة مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية، موثقةً الاستهدافات الإيرانية للمنشآت المدنية بوصفها “جرائم حرب”، لتتحول المعاناة الميدانية إلى أوراق ضغط سياسية وأخلاقية تعري الذرائع الإيرانية أمام المجتمع الدولي.
شطرنج طهران: تحييد الكبار
بينما تنهمر الصواريخ فوق جبهة الكويت كحلقة إمداد برية مستهدفة، تدير طهران علاقاتها مع بقية القوى الخليجية بنسق مختلف تماماً، محاولة هندسة معادلة دقيقة من الفصل والتحييد الإقليمي؛ فمع المملكة العربية السعودية، تقف الحسابات عند خط أحمر فرضته الرياض بذكاء، بعد أن نزعت المملكة فتيل الصدام المباشر بإعلانها الصارم والعلني عدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها منطلقاً لأي ضربات هجومية ضد إيران.
هذا “الحياد الإيجابي” أمّن للمملكة حماية منشآتها النفطية العملاقة التي تضخ ما يقارب 9,000,000 برميل يومياً، وأبقى على شعرة معاوية الدبلوماسية قائمة، رغم التحذيرات الضمنية المتبادلة بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر الذي يعبره نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية.
وعلى الميزان ذاته، تتبادل طهران مع دولة الإمارات العربية المتحدة رصيداً معقداً من الردع المتبادل، حيث تتراجع حدة النيران لحماية الشرايين الاقتصادية والموانئ الحيوية المشتركة التي تدير تبادلاً تجارياً بمليارات الدولارات، مفسحة المجال لقنوات خفض التصعيد لضمان سلامة الحركة عبر مضيق هرمز الذي يتدفق عبره 25% من استهلاك النفط العالمي يومياً.
وفي المقابل، تحافظ دولة قطر في المنظور الإيراني على موقع الرئة الدبلوماسية الحيوية، إذ نجحت الدوحة في تحييد منشآتها العسكرية الهجومية مع الاستمرار في إدارة وتطوير “حقل الشمال” للغاز المشترك الأكبر عالمياً، والذي يحتوي على احتياطيات ضخمة تتجاوز 900 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، مكرسةً دورها كنافذة خلفية موثوقة لصياغة صفقات التهدئة وبناء جسور التواصل بين أطراف النزاع.
محور الأمان: حراك العواصم
في ذروة هذا الغليان، انطلق حراك دبلوماسي وعسكري مكثف تقوده القاهرة والرياض، ليمتد ويمسك بأطراف الخيوط في أنقرة وإسلام آباد، وهذا التحرك الإقليمي الواسع يسعى لبناء “مظلة أمان إقليمية” تفرض شروطها على القوى العظمى وتطوق النيران المندلعة قبل فوات الأوان.
تلعب مصر دور “الوسيط التكتيكي الصامت”، مستغلةً ثقلها التاريخي لفتح مسارات تفاوضية تمنع انفجار شرق المتوسط، بينما تمنح السعودية هذا المحور ثقلاً اقتصادياً وجيوسياسياً وازناً لمنع تحول الخليج لساحة حرب مفتوحة.
وعندما يلتقي وزراء الدفاع والخارجية مع نظرائهم في تركيا التي تخشى تدفق ملايين اللاجئين وعسكرة قواعد الناتو كقاعدة إنجرليك وباكستان بترسانتها العسكرية والردعية، فإن الرسالة الموجهة للعالم تكون شديدة الوضوح: أمن الإقليم خط أحمر. لقد شدد هذا التكتل في بيانه المشترك على حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، كرسالة حازمة لطهران بأن الممرات المائية الدولية ليست ورقة للمساومة العسكرية أو الابتزاز السياسي.
نزيف البنتاغون
على مقلب الصراع الآخر، تشتعل حرب رسائل نارية خلف الستار وتحته، تقابلها حسابات معقدة ومقلقة داخل الغرف المغلقة في واشنطن، فالتقارير العسكرية المسربة عبر شبكات الأنباء العالمية تشير إلى كابوس حقيقي يواجه البنتاغون، يتمثل في “استنزاف الذخائر وصواريخ الاعتراض الدقيقة”.
إن استهلاك منظومات الباتريوت وصواريخ عائلة “إس إم 6” في التصدي اليومي للمسيّرات والصواريخ المنطلقة من جبهات متعددة، بدأ يعري الجاهزية العسكرية الأمريكية؛ حيث تصل تكلفة صاروخ الاعتراض الواحد من هذه الطرازات المتطورة إلى ما يقارب 4,000,000 دولار أمريكي، في مقابل طائرات مسيّرة انقضاضية إيرانية لا تتجاوز كلفة إنتاج الواحدة منها 20,000 دولار.
هذا الفارق الرقمي المرعب أدى إلى تآكل مخزونات الصواريخ الدفاعية بنسبة تتجاوز 30% خلال أشهر القتال الأولى، مما أثار قلق القادة من انكشاف جبهات إستراتيجية أخرى حول العالم كتايوان وشرق أوروبا. هذا الإنهاك اللوجستي بات يشكل حجر عثرة أمام صقور واشنطن، دافعاً بالإدارة الأمريكية ببطء نحو إعطاء الدبلوماسية فرصة أكبر، مع إبقاء الخيار العسكري كعصا غليظة للضغط.
التنين والدب: اللعب خلف الستار
في الوقت الذي تنشغل فيه الآلة العسكرية الغربية بإحصاء خسائرها وذخائرها، تدير القوى العظمى الأخرى الأزمة وفق مصالح إستراتيجية بعيدة المدى:
بكين والضغط الهادئ: تنظر الصين المستورد الأكبر للنفط الخليجي والإيراني على حد واحدة إلى عسكرة مضيق هرمز بقلق بالِغ، كونه يهدد شريان طاقتها الرئيسي ومشروعها القومي “الحزام والطريق”.
لذا، تمارس بكين ضغوطاً دبلوماسية صامتة خلف الكواليس على طهران لعدم الذهاب إلى حافة الهاوية وشل حركة الملاحة تماماً، مع تقديم دعم اقتصادي وسياسي يبقي إيران صامدة كحجر عثرة أمام الهيمنة الأمريكية.
موسكو واستغلال الإنهاك: يرى الدب الروسي في حرب الاستنزاف الحالية فرصة ذهبية لتخفيف الضغط العسكري واللوجستي الغربي عنه في جبهات شرق أوروبا؛ فكل صاروخ دفاعي تستهلكه واشنطن في سماء الخليج هو خطوة نحو إضعاف الجاهزية الأمريكية عالمياً.
لذا، تقدم موسكو دعماً استخباراتياً وتقنياً غير مباشر لطهران لضمان استمرار صمودها وإطالة أمد الصراع الذي ينهك الخصم الأمريكي المشترك.
مضيق هرمز: شلل الملاحة والألغام العائمة
لقد بلغت التوترات ذروتها الميدانية المباشرة مع الإعلان الرسمي عن انفجار ناقلة نفط في مياه مضيق هرمز إثر اصطدامها بلغم بحري بعد خروجها عن المسار الملاحي المقر من طهران، وهو ما أعاد خنق الممر الحيوي وأثار ذعر أسواق الطاقة العالمية.
هذا التصادم الميداني العنيف يتزامن مع قرار تكتيكي حاسم صادر عن القيادة المركزية الأمريكية بتغيير مسار سفنها التجارية، في اعتراف أمريكي صريح بالقدرة الإيرانية على التهديد المستمر، مهدداً برفع كلفة التأمين البحري ودفع سلاسل الإمداد العالمية إلى حافة الركود والتضخم.
كواليس التفاوض: الدبلوماسية العُمانية وفرملة ترامب لآلة الحرب
أمام هذا الاختناق البحري، شهدت الساعات الماضية تحولاً إستراتيجياً متسارعاً؛ إذ حط وفد دبلوماسي عُماني رفيع المستوى في طهران لإدارة محادثات فنية وسياسية مكثفة، ركزت على بلورة آليات تنفيذية مشتركة لإدارة العبور الآمن عبر مضيق هرمز بما يحفظ المبادئ السيادية.
وعلى وقع هذا الحراك المسقطي، كشفت مصادر من البنتاغون أن الرئيس دونالد ترامب أصدر أوامره بوقف جولة القصف الجوي الجديدة ضد إيران، رافضاً خطة عسكرية للتصعيد الشامل ومفضلاً إعطاء الدبلوماسية العُمانية فرصة كاملة لإعادة فتح المضيق، وهو القرار الصادم الذي هدأ من روع البورصات ودفع أسعار النفط للهبوط الفوري بنسبة 5% اليوم.
الهدوء المفخخ
إن القراءة المتأنية للمشهد الميداني والدبلوماسي تشير إلى أن المنطقة لا تتجه نحو حرب عالمية مدمرة شاملة، ولا نحو سلام دائم ومستقر.
السيناريو الأرجح للأيام المقبلة هو “الهدوء الهش” أو “التهدئة المحاصرة بالألغام”، والتي يمكن تلخيص خطواتها كالآتي:
اتصالات إقليمية مكثفة: تقودها القاهرة والرياض بالتعاون مع أنقرة وإسلام آباد لبلورة مسودة هدنة تحت رعاية دولية وإقليمية.
وقف مؤقت لإطلاق النار: يتم إعلانه لأسباب إنسانية ولتأمين الملاحة البحرية، ووقف قصف البنية التحتية المتبادل بين الأطراف المتصارعة.
مفاوضات تقنية غير مباشرة: تنطلق في عاصمة خليجية أو أوروبية لرسم معالم اتفاقية تقوم على مبدأ “الأمن مقابل رفع الحصار الجزئي”.
إدارة الصراع لا حسمه: استقرار نسبي محفوف بالمخاطر مع بقاء الأصابع على الزناد، بانتظار تسوية كبرى تعيد ترتيب أوراق الشرق الأوسط من جديد.
الهندسة الأمنية الجديدة
تطرح هذه الحرب سؤالاً مصيرياً حول شكل “اليوم التالي” بعد انقشاع سحب الدخان العسكرية؛ إذ إن الاستقرار القادم لن يكون عودة إلى ما قبل الحرب.
لقد أثبتت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية في هذه الجولة هشاشة الترتيبات الأمنية السابقة، مما سيجبر القوى الإقليمية والدولية على الجلوس لصياغة “هندسة أمنية جديدة” للمنطقة.
قد تشهد المرحلة المقبلة ولادة نسخة إقليمية من “اتفاقية دافوس أمنية”، تسعى لتأمين الممرات المائية بضمانات جماعية تشارك فيها الصين وروسيا إلى جانب الغرب، مع إعادة تقييم شاملة لمصير التحالفات السابقة في المنطقة، حيث ستبحث الدول عن توازنات واقعية تقوم على المصالح المشتركة والردع المتبادل، بدلاً من المظلات الأمنية المنفردة التي أرهقها الاستنزاف.
من يملك المضائق
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على جرف هارٍ من التحولات التاريخية.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن القوى الإقليمية لم تعد مجرد بيادق في رقعة الشطرنج الدولية، بل أصبحت شريكة أصيلة في صياغة القرار وفرض التهدئة.
وبينما تترقب العواصم الخروج من عنق الزجاجة عبر بوابات الدبلوماسية، يظل الرهان معقوداً على حكمة المحور العربي الإقليمي في كبح جماح التهور، وصياغة غدٍ تشرق فيه شمس الاستقرار فوق مياه الخليج وأرض الكنانة.


















