يقدم الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية إسلام عوض، في السطور التالية، رؤية تحليلية لتصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تأهيل الشخصيات المرشحة لتولي المناصب القيادية بالدولة داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، متناولًا أبعاد المقترح، ودور الأحزاب السياسية في إعداد الكوادر، والضوابط الدستورية والقانونية المنظمة لهذه الآلية حال إقرار القانون المقترح.
س1: كيف تقرأ تصريحات الرئيس بشأن تأهيل من يقود الدولة داخل الأكاديمية العسكرية؟ وهل تمثل آلية جديدة لإعداد القيادات؟
ج1: تنطلق قراءتنا الاستراتيجية لتصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي من سياقها التوقيتي والدلالي؛ فهي تأتي متزامنة مع تأكيده القاطع على الالتزام الصارم بالمدد الدستورية وانتهاء ولايته بحلول عام 2030.
هذا الموقف يرسخ إرثاً تاريخياً في مسيرته؛ حيث لم يقتصر دوره على العبور بالوطن في لحظات فارقة وتأسيس ركائز “الجمهورية الجديدة” على أسس من الاستقرار والبناء، بل يمتد الآن لضمان ديمومة هذا البناء عبر مأسسة عملية انتقال السلطة.
المقترح يرتكز على فلسفة تجاوز “الارتجال السياسي”، من خلال إخضاع النخبة التنفيذية والسياسية المرشحة لإدارة مفاصل الدولة لنظام فرز وإعداد مكثف يمتد لـ 30 شهراً (بواقع أكثر من 7500 ساعة تدريبية) داخل الأكاديمية العسكرية المصرية.
ونحن هنا أمام آلية جديدة تماماً وغير مسبوقة في تاريخ العمل السياسي المصري.
فالأكاديمية العسكرية، التي كانت دلالتها الرمزية والتاريخية مرتبطة بإنتاج النخبة المقاتلة أو تأهيل الكوادر المدنية للوظائف الفنية، يُراد لها وفق هذا الطرح المقترح أن تتحول إلى “مصفاة وطنية ومعمل لصناعة نخب الحكم”.
هي محاولة جادة لمزج الانضباط المؤسسي وقيم الالتزام العسكري بالعلوم الاستراتيجية والسياسية المدنية؛ لضمان أن من يتولى المواقع القيادية يمتلك رؤية حداثية شاملة تلائم طموح الدولة وتستوعب أبعاد الأمن القومي.
س2: هل يمكن للأحزاب ترشيح شخصيات للالتحاق بالبرنامج التأهيلي تمهيدًا لتولي المناصب القيادية، ومنها الرئاسة؟
ج2: من الناحية السياسية والنظرية، فإن إشراك رئيس مجلس النواب والنخب السياسية والمفكرين في صياغة هذا المشروع يفرض بالتبعية أن تكون الأحزاب شريكاً أصيلاً في هذه الآلية. فالمجال الحزبي هو المغذي الطبيعي للمناصب القيادية في أي دولة مدنية حديثة، وحزب عريق كـ “الوفد” بما يمثله من تاريخ في العمل الوطني أو غيره من الأحزاب، يجد في هذا الطرح مساراً حيوياً للدفع بكوادره وشبابه المؤهلين (في الفئة العمرية المحددة بين 40 و50 عاماً) لخوض هذا البرنامج، تمهيداً للمساهمة في الإدارة التنفيذية والسياسية مستقبلاً.
ولكن، لكي تؤتي هذه التجربة ثمارها وتتحول إلى قوة دفع حقيقية للمسار الديمقراطي والتنافسي، فإن المحك يكمن في “قواعد القبول والفرز”.
يجب أن يضمن القانون المقترح معايير موضوعية ومرنة تتيح للتعددية الحزبية، بمختلف مشاربها وتوجهاتها الفكرية، الالتحاق بالبرنامج؛ وبذلك يتكامل الانضباط المؤسسي مع التنوع السياسي، دون أن تتحول الفلاتر التنظيمية إلى عائق يحد من قدرة الأحزاب على تقديم نخبها المتميزة.
س3: ما الضوابط الدستورية والقانونية التي ستحكم هذه الآلية، حال إقرار القانون المقترح؟
ج3: إن الضابط الحاكم الأساسي هنا هو المبدأ التفسيري القطعي الذي شدد عليه الرئيس بحسم: “الدستور المصري لن يُمَس”.
ومن المنظور الفقهي والقانوني، فإن صياغة تشريع عادي يمس تنظيم الترشح والانتخاب دون الاصطدام بالقواعد الدستورية العليا تتطلب الالتزام بثلاثة محددات رئيسية تبرز القيمة القانونية للمقترح:
أولاً: الارتكاز الاستراتيجي على المادة 200 من الدستور: لقد استدعى الرئيس في كلمته الفلسفة الدستورية لـ المادة 200، والتي تنص صراحة على أن القوات المسلحة ملك للشعب، ومهمتها حماية البلاد وصون أمنها، إلى جانب دورها الأصيل في “صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها”.
ومن هذا المنطلق، فإن دور الأكاديمية العسكرية في التأهيل لا يمثل تغولاً على المسار المدني، بل هو تفعيل للمسؤولية الدستورية للمؤسسة العسكرية في تحصين الدولة ضد الاختراق أو السقوط في يد قوى غير وطنية.
ثانياً: التحصين ضد شبهة الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص (المادتان 9 و53): الدستور يكفل المساواة الكاملة وتكافؤ الفرص بين المواطنين في تولي الوظائف العامة والترشح.
ولتفادي أي طعن بعدم الدستورية، يجب أن يقر القانون معايير اختيار مجردة وشفافة للقبول بالبرنامج، مع تفعيل الاستثناء الذكي الذي طرحه الرئيس بإعفاء من امتلك خبرة تنفيذية في العمل الحكومي لمدة 6 سنوات فأكثر، وهو ما يحقق التوازن القانوني بين شرط التأهيل العلمي وبين عدم إقصاء الكفاءات المدنية والتنفيذية القائمة.
ثالثاً: التكييف القانوني للبرنامج كـ “مؤهل موضوعي” وليس “قيداً مانعاً” (المادة 141): شروط الترشح لرئاسة الجمهورية وردت في الدستور على سبيل الحصر.
المخرج القانوني الرصين هنا هو تكييف هذا البرنامج كـ “وعاء تأهيلي لتجهيز النخب وصقل كفاءاتهم”، أو “مسار متاح للمتقدمين” تتبناه الدولة لدعم جودة الاختيار أمام الناخب، وليس كشرط إقصائي يمنع من استوفى الشروط الدستورية التقليدية من مباشرة حقه السياسي، مع بقاء الولاية والسيادة الكاملة لإدارة الانتخابات والبت فيها بيد الهيئة الوطنية للانتخابات وفقاً للمادة 208 من الدستور.






















