في لحظاتٍ فارقة من عُمر الأوطان، لا تكون الوقائع مجرد تواريخ عابرة، بل علاماتٍ فاصلة تُعيد تعريف المعنى الحقيقي للكرامة والحرية. هكذا كان يوم الرابع من مايو عام 2016، حين تحولت الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين إلى مشهد استثنائي، تجاوز حدود المهنة، ولامس جوهر الفكرة الوطنية ذاتها.
لم يكن الحضور الكثيف، الذي تجاوز خمسة آلاف صحفي، مجرد استجابة تنظيمية لاجتماع طارئ، بل كان فعلًا واعيًا وموقفًا صريحًا. جاءوا من كل صوب، مدفوعين بإحساسٍ مشترك بأن ما جرى قبلها بيومين لم يكن حدثًا عابرًا. واقعة اقتحام النقابة في الأول من مايو لم تكن فقط سابقة خطيرة، بل كانت اختبارًا قاسيًا لفكرة الحصانة المعنوية لكيانٍ ظل لعقود بيتًا مفتوحًا للكلمة الحرة.
وسط حصار أمني غير مسبوق، انعقدت الجمعية العمومية، لكن المشهد لم يكن مشهد حصار بقدر ما كان إعلانًا صريحًا بأن النقابة ليست جدرانًا تُطوّق، بل إرادة جماعية يصعب كسرها. في تلك اللحظة، لم يكن الصحفيون يدافعون فقط عن زميلين – عمرو بدر ومحمود السقا – بل كانوا يدافعون عن فكرة أوسع: أن الكلمة لا تُساق مكبلة، وأن النقابة ليست مجرد مقر إداري، بل مساحة معنوية لا يجوز انتهاكها.
هنا يبرز اسم النقيب الهُمام يحيى قلاش – نقيب الصحفيين في ذلك الوقت – الذي وجد نفسه في قلب عاصفة لم يخترها، لكنه لم يتراجع عنها. لم تكن مهمته سهلة، ولا مواقفه مريحة، لكنه مثّل، في تلك اللحظة، صوتًا معبرًا عن غضب الجماعة الصحفية، ومحاولة صادقة للحفاظ على تماسكها في وجه أزمة غير مسبوقة. في أوقات كهذه، تُختبر القيادات، ليس بقدرتها على تجنب الصدام، بل بقدرتها على إدارة الغضب وتحويله إلى موقفٍ واضح.
ما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد رد فعل، بل كان درسًا في معنى الجمعية العمومية حين تتحول من إجراء شكلي إلى سلطة حقيقية. لقد أثبت الصحفيون أن اجتماعهم ليس طقسًا دوريًا، بل أداة ضغط، ومنصة تعبير، ومرآة تعكس نبض المهنة. كان الحضور الكثيف رسالة لا لبس فيها: أن الجماعة الصحفية قادرة على الاصطفاف حين تشعر بأن كيانها مهدد.
والأهم أن ذلك اليوم تجاوز حدود النقابة. فقد بدا وكأنه لحظة نادرة يتقاطع فيها المهني بالوطني، ليقول إن الدفاع عن حرية الصحافة ليس مطلبًا فئويًا، بل ركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى إلى التوازن. لم يكن الأمر صراعًا بين طرفين، بقدر ما كان اختبارًا لقدرة المجتمع على حماية مساحاته الحرة.
تمر السنوات، وتبقى الذكرى. ليست مجرد استعادة لمشهدٍ حاشد، بل استدعاء لمعنى. معنى أن الكرامة لا تُجزأ، وأن الصمت في لحظات الخطر يُفقد الكلمة قيمتها. في الرابع من مايو، لم ينتصر الصحفيون لأنفسهم فقط، بل قدّموا نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه الجماعات المهنية حين تتمسك بحقها في الوجود الحر.
كل عام ونقابة الصحفيين بخير، وكل عام وجمعيتها العمومية حاضرة كضمير حي، يذكرنا بأن بعض الأيام لا تُقاس بما يحدث فيها فقط، بل بما تتركه من أثرٍ لا يزول.





















