الإنسان اجتماعي بطبعه، مدنيٌّ بالضرورة؛ ولكن إلى أي درجة من درجات المدنية؟ لست أدري، ولكنني أعتقد أن لكل فرد منا درجة خاصة من درجات المدنية التي يتصورها في عقله، أو تأتلف بها نفسه، أو على الأقل هي مغروسة في روحه ينتشي بها إذا عايشها.
على مرِّ تاريخنا المهيب والمخيف لم نصل إلى هذه الدرجة البعيدة جدا من المدنية، ولم نرَ كل هذه الآلات التي تعمل من نفسها إلا عن قريب، وعن قريب جدًا، فليس من الغريب إذن أن نجد بأسا في التعامل معها، لا بل في التعامل مع أنفسنا أثناء حضورها من حولنا.
عن الحداثة
قد تقول: ما لهذا وما للحداثة؟! وما هذا إلا الحداثة، المنطلقة من الآلة التي تدير المدينة وتتمحور حولها المدينة ولهذا فإن قضية الحداثة ستظل هاجسا يطارد البشر ليس خلال هذا العقد فحسب، وليس خلال هذا القرن فحسب، بل أظن أن هذا الهاجس سوف يطارد البشر لقرون وقرون وعقود وعقود، إن عصر الحداثة بالنسبة للبشرية كاللحظة التي قرر فيها الريفي البسيط أن يذهب إلى المدينة، وهذا أيام كان الريف ريفًا، لا جرَّار فيه، بل الثور، ولا ماكينة الريّ بل الساقية؛ فترك الساقية والثور والنَّاف (لخشبة التي توضع فوق عنق ثورين لجر المحراث) والأَنْتُوت (خشبة صغيرة تتصل بالناف لتثبيته في المحراث) متجها صوب مصانع الصلب أو السكِّة الحديد، ليكتب بعدها عن “مدينة بلا قلب” (ديوان مدينة بلا قلب للشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي).
الحداثة ليست رفاهية فكرية ولا هرطقة فارغة وليست أيضا ضرورة ملحة وليست نظرة أبعد للمستقبل؛ بل هي رد فعل طبيعي جدا يتوازى مع المنجزات الكثيرة التي أنجزها الإنسان أولا من آلات ثم المنجزات الأكبر مما أنجزته الآلات من آلات أكبر ثم المنجزات التي أنجزتها وسوف تنجزها الآلات الأكبر والأكبر منها، إنها محاولة للتعايش في ظلال هذه الآلة حيث بدأ الإنسان يفقد وعيه وروحه وتصوراته عما حوله ناهيك عن تصوراته عن نفسه.
فمن الغباء إذن أن ندعي بأننا حداثيون، لأننا حداثيون، ومن الغباء أيضا أن ندعي بأننا لسنا كذلك لأننا كذلك، لكن وكل ما في الأمر
أن هنالك من يقاوم الاغتصاب وهنالك من يستمتع به أما ذلك الذي لا يراه أصلا فهو الأعمى الغبي أو هو الغبي الأعمى.
أقول الحداثة واقع ولا مفر من الواقع، وكل منتجات الحداثة واقع ولا مفر من الواقع، لقد مات ما لا بد من موته وسيحيا ما لا بد من حياته..
الحداثة الفنيّة
لم أستغرب انغماس الإنسان في الحداثة السياسية أو الاجتماعية أو الفلسفية، لكنني استغربت انغماسه في الحداثة الفنيَّة، خاصة وأن أغلب الناس ضاقوا ذرعا بالحداثة، هذا عندما كنت أعتبر الحداثة الفنيَّة موجة تقدمية نحو الأمام أو على الأقل نحو المجهول؛ ولكنها ليست كذلك إنها موجة عنيفة كعنف الأولى لكنها نحو الأعماق، صرخة الإنسان الصماء في مواجهة أزيز الآلة الضخمة، إن الحداثة الفنيَّة غصن صفصاف هزيل في مواجهة المدرعات، حداثة تحاول سبر أغوار النفس الإنسانية وأنَّى لها؟!
وحوارنا مع الحداثة الفنيَّة ليس حوار الغاية بل هو حوار الوسيلة، لقد ضُرِب العقل البشري على رأسه لتوه ولكنه يحاول التصرف والتفكير بسرعة ليواكب ما حدث، وليجاري الضربات التي تتابعت وستتابع إلى ما شاء الله لها، فبدل أن كان السؤال قديمًا قبل الحداثة: ماذا نقول؟ أصبح السؤال الآن ماذا نقول وكيف نقول؟
هناك من رفض الحداثة فحاول تجاهلها تماما وهم التراثيون وهنالك من رفضوا الحداثة فحاولوا الذهاب أعمق داخل الإنسان داخلهم وهو بالنسبة لهم غامض جدا، وبعيد جدًا ولا لوم عليهم، فهم الذين نالوا أكبر قدر من الضرب ونزفوا أكبر قدر من الدماء الذين سهروا في أفنية السياسة واشتبكوا مع الواقع أكثر من غيرهم الذين فضلوا تجاهله، ويا للسخرية فهؤلاء المبغضون جدا للحداثة يحاولون كبح جماحها بالتفتيش في نفوسهم بلا دليل غير قبس خافت يلمحونه لمحا أيام العطلة القليلة وساعات الاسترخاء المحدودة، هؤلاء هم أنفسهم الحداثيون! عجيب؟ نعم عجيب.
فالتراثيون والحداثيون معا يرفضون الحداثة! كل بطريقته الخاصة
وأظنك تنتظر مني أن أخبرك أن الفريق الثالث هو الفريق الذي في المنزلة بين المنزلتين، الذي بين هذا وذاك، وأنا لن أفعل، فهذا فساد بيّن، لأن الطبائع الإنسانية ترفض المطلقات، ولأن أغلب الناس لا تسنح لهم الفرصة ليدركوا على أي جانب هم، فالموضوع يحتاج لتفكير طويل روحي وعقلي، وأنى لك في زمن الحداثة؟ ولكن وللتبسيط لا أكثر سأحيلك إلى صورة أحبها: اليينغ واليونغ
لو فرضنا أن الحداثيين هم الموجة السوداء وأن التراثيين هم الموجة البيضاء فإن هنالك بعض الناس، هم الدائرة كاملة في دواخلهم صراع دؤوب مستمر بين هذا وذاك لا مفر منه ولا حسم له
وعليه فالحداثة الفنيَّة ليست انفلاتا ولا تمردا بل إنها مجرد رد فعل، لما حدث من أزمات متتابعة، وسواء اختلفنا معها أو اتفقنا فيجب من قبل أن نتفق أو أن نختلف أن نفهم السؤال الصعب، ناهيك عن الإجابة الأصعب
لماذا ؟ وكيف؟
















