لم تكن مأساة طريق الدواويس بمحافظة الإسماعيلية التي وقعت أمس مجرد حادث مروري مؤلم راح ضحيته عدد من العمال بينهم أطفال قُصر، بل أعادت الحادثة إلى الواجهة واحدة من أخطر القضايا الاجتماعية والقانونية في مصر، وهي استغلال الأطفال في العمل وتعريض حياتهم للخطر بحثًا عن دخل بسيط قد لا يتجاوز احتياجات يومهم، إن وفاة أطفال قُصر في حادث مرتبط بانتقال العمالة تفرض ضرورة النظر إلى الواقعة ليس فقط من زاوية المسؤولية عن الحادث المروري، وإنما أيضًا من زاوية ظروف تشغيل هؤلاء الأطفال، ومدى قانونية تشغيلهم، وطبيعة الأعمال التي كانوا يؤدونها، ووسائل نقلهم، ومدى توافر اشتراطات السلامة لهم، وهي أمور يجب أن تكشف عنها التحقيقات الرسمية دون استباق لنتائجها.
القانون المصري لا يتعامل مع الطفل باعتباره عاملًا بالغًا، وإنما وضع منظومة خاصة لحمايته من الاستغلال والإجبار على العمل في سن مبكرة، فقد نص الدستور المصري في المادة 80 على أن كل من لم يبلغ الثامنة عشرة يعد طفلًا، وألزم الدولة برعايته وحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال الجنسي والتجاري.
كما حظر تشغيل الطفل قبل تجاوزه سن إتمام التعليم الأساسي، وحظر تشغيله في الأعمال التي تعرضه للخطر، كما نصت المادة 89 من الدستور على حظر كل صور العبودية والاسترقاق والقهر والاستغلال القسري للإنسان، وتجريم ذلك بالقانون، بما يؤكد أن حماية الإنسان من الاستغلال ليست مجرد التزام أخلاقي وإنما التزام دستوري وقانوني، ومع قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 أصبحت الحماية القانونية للأطفال أكثر وضوحًا، حيث حدد القانون الطفل في مجال العمل بأنه كل من لم يبلغ الثامنة عشرة، وحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم خمس عشرة سنة، مع تنظيم التدريب لمن بلغ الرابعة عشرة بشرط ألا يعوق ذلك استمرار التعليم.
كما حظر القانون تشغيل أو تدريب الأطفال في الأعمال أو المهن أو الصناعات التي يمكن أن تعرض صحتهم البدنية أو النفسية أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر أو تعوقهم عن مواصلة التعليم، وهو نص بالغ الأهمية في مواجهة بعض صور العمالة التي قد تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل مخاطر جسيمة على الطفل،ووضع القانون كذلك ضوابط لساعات عمل الأطفال وفترات الراحة، وحظر تشغيلهم لساعات إضافية أو خلال فترات الراحة الأسبوعية والعطلات الرسمية، كما حظر تشغيلهم خلال ساعات الليل، بما يؤكد أن المشرع لم يكتفِ بتحديد سن العمل، وإنما وضع إطارًا متكاملًا لحماية الطفل أثناء وجوده في بيئة العمل.
ومن هنا فإن تشغيل طفل دون السن القانونية أو تشغيله في عمل خطر لا يمكن اختزاله في عبارة “طفل يساعد أسرته”، لأن الفقر لا يمنح أحدًا الحق في تعريض الأطفال للخطر، كما أن حاجة الأسرة إلى الدخل لا تسقط حق الطفل في التعليم والحماية والرعاية ، وتتعدد المسؤوليات القانونية بحسب ظروف كل واقعة، فإذا ثبت أن صاحب العمل شغّل أطفالًا بالمخالفة للقانون فقد تقوم مسؤوليته عن المخالفات العمالية، وقد تنشأ مسؤوليات جنائية أخرى إذا ثبت وجود إهمال أو تعريض للحياة للخطر أو ارتباط ذلك بإصابات أو وفيات، وفقًا لما تكشفه التحقيقات وأحكام القانون.
وتزداد خطورة الأمر عندما يكون الأطفال جزءًا من عمالة يومية غير منتظمة ويتم نقلهم في سيارات غير مجهزة أو بأعداد تتجاوز الطاقة الآمنة للمركبة، لأن الطفل في هذه الحالة لا يتعرض فقط لخطر العمل، وإنما تتضاعف المخاطر أثناء انتقاله من وإلى مكان العمل، وهنا يبرز الدور المهم للمجلس القومي للطفولة والأمومة باعتباره إحدى الجهات الأساسية المعنية بحماية الطفل ومواجهة صور الاستغلال والإهمال والتعرض للخطر، خصوصًا أن قانون العمل الجديد ربط تنظيم تشغيل الأطفال بالتنسيق مع المجلس عند وضع القواعد المنظمة لتشغيلهم وتدريبهم وتحديد الأعمال والمهن المحظورة عليهم.
والدور المطلوب من المجلس يجب ألا يتوقف عند التوعية أو وضع السياسات، بل يجب أن يمتد إلى الرصد والتدخل المبكر والتنسيق الفعال مع وزارة العمل ووزارة التضامن الاجتماعي والمحافظات والجهات الرقابية، للوصول إلى الأطفال المعرضين للاستغلال قبل أن تتحول المخالفة إلى مأساة، كما أن لجان حماية الطفولة يجب أن تكون طرفًا فاعلًا في مواجهة هذه الظاهرة، لأن حماية الطفل لا تبدأ بعد وقوع الحادث، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي تظهر فيها مؤشرات تعرضه للخطر أو حرمانه من التعليم أو دفعه إلى العمل في ظروف لا تتناسب مع عمره.
إن مأساة أطفال الإسماعيلية يجب ألا تمر باعتبارها مجرد حادث مروري آخر، فالضحايا الأطفال الذين خرجوا للعمل بدلًا من أن يكونوا في مدارسهم وأماكن آمنة للرعاية والتعليم يطرحون سؤالًا أكبر من سؤال من تسبب في التصادم، وهو كيف وصل هؤلاء الأطفال إلى هذا العمل؟ ومن قام بتشغيلهم؟ وكيف تم نقلهم؟ ومن كان مسؤولًا عن التأكد من أعمارهم وسلامتهم؟ حماية الأطفال ليست مسؤولية جهة واحدة ولا يمكن تحميلها للأسرة وحدها، فالدستور جعل حماية الطفل التزامًا على الدولة، والقانون وضع قواعد واضحة لصاحب العمل والجهات المختصة، والمجتمع كله مسؤول عن مواجهة ظاهرة عمالة الأطفال.
والمطلوب اليوم هو تطبيق القانون بصورة حقيقية، وتكثيف حملات التفتيش على أماكن العمل التي تستقطب الأطفال، وتشديد الرقابة على العمالة اليومية، وتنظيم وسائل نقلها، وتفعيل دور لجان حماية الطفولة والمجلس القومي للطفولة والأمومة، مع توفير بدائل اجتماعية واقتصادية للأسر الأكثر احتياجًا حتى لا يصبح الطفل هو الحل الأسهل لمواجهة الفقر.
فالقضية في النهاية ليست منع طفل من كسب بعض المال، وإنما حماية حقه في أن يعيش طفولته ويتعلم وينمو في بيئة آمنة، وكل طفل يُدفع إلى عمل خطر أو يُنقل في وسيلة غير آمنة أو يُحرم من التعليم من أجل لقمة العيش هو إنذار مبكر بأن منظومة الحماية لم تصل إليه في الوقت المناسب، ومأساة أطفال الإسماعيلية يجب أن تكون جرس إنذار حقيقيًا، حتى لا تتحول دماء الأطفال إلى مجرد خبر عابر، ثم تعود الظاهرة من جديد تحت مسميات الفقر والعمالة اليومية والحاجة إلى الدخل.





















