في هذا المقال نلقي الضوء في قراءة قانونية موجزة و بسيطة ومتجردة ، علي ما جري في مصر من انتخابات برلمانية، ثار بشأنها الكثير من الجدل والسؤال حول مدي شرعيتها، وعما اذا كان ما لحق بها من شبهات دستورية وقانونية، يعرضها للبطلان، ام لا؟
حيث نص الدستور المصري علي تولي كل من مجلسي النواب والشيوخ، مهام السلطة التشريعية، علي ان يكون انتخاب اعضائهما بنظامي القائمة اوالفردي، او الجمع بينهما بأي نسبة، ويباشر حق الانتخاب المواطنين المصريين الذين بلغوا سن ثماني عشر عاما.
وفي حين يتولي مجلس النواب سلطة التشريع واقرار السياسة العامة للدولة ورقابة اداء السلطة التنفيذية، يختص مجلس الشيوخ بتوسيد دعائم الديمقراطية والقيم الاجتماعية ودعم الحقوق والحريات والواجبات العامة.
ووفقا لقانون مجلس النواب 46لسنة 2014يشكل هذا المجلس من 568 عضواً، ولرئيس الجمهورية حق تعيين 5%من اعضائه، كما يشكل مجلس الشيوخ وفقا للقانون رقم 141لسنة2020 من 300 عضو، ثلثهم بالانتخاب والثلث الباقي يعين بقرار من رئيس الجمهورية.
والجدير بالذكر ان قانوني المجلسين قد نصا علي انتخاب نصف اعضائهما، بنظام الفردي والنصف الاخر بنظام القائمة المطلقة،ونظام الانتخاب بالقائمة المطلقة يعني ان قائمة واحدة هي التي سيعلن فوز اعضائها جميعهم في حال حصولها علي اغلبية اصوات الناخبين واذا ترشحت منفردة تفوز بما يشبه التزكية، وفي المقابل يعلن رسوب القوائم الاخري اذا كانت قد ترشحت هناك ثمة قوائم.
وعلي هذا الاساس الدستوري والقانوني اجريت انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب بمصر في النصف الثاني من عام 2025، وكانت اولي الاعتراضات التي سبقت تلك الانتخابات، هي وجوب تعديل النظام الانتخابي، ليكون بنظامي القائمة النسبية والفردي، والقائمة النسبية تعني اعلان فوز كل القوائم المرشحة بنسبة تعادل نسبة اصوات الناخبين التي حصلت عليها، ومن هنا علقت الكثير من الاحزاب السياسية، والشخصيات والرموز الوطنية، مشاركتها في تلك الانتخابات، علي الاستجابة لهذا المطلب.
الا ان السلطة غضت الطرف عن الاستجابة لتك المطالبات الهامة والعادلة، التي تحترم ارادة الناخبين، وتقيم وزنا لأصواتهم، وتوسد لحياة ديمقراطية صحيحة!!، فمضت في اجراء تلك الانتخابات بنظام القائمة المطلقة دون تعديل نظامها الانتخابي، فما كان الا ان ترشحت قائمة واحدة مطلقة، وعزفت معظم الاحزاب والتكلات والشخصيات الوطنية عن المشاركة سواء علي مقاعد القائمة او الفردي ، كما امتنع معظم الناخبين عن الادلاء باصواتهم خاصة في ظل المعاناه الاقتصادية التي يعيش فيها المواطنين.
وقد وضحت الاثار السلبية، لسياسات السطة، وعدم استجابتها، لمطالبات القوي الوطنية، فما اعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات، من نسب ادلاء الناخبين باصواتهم، والتي تراوحت بين 17 الي 20% في مرحلتها الاولي وتدنت ببعض اللجان الي حوالي 3% و2% في جولات الاعادة!.
اما عن مجريات العملية الانتخابيه، وما شابها من انتهاكات ومخالفات جسيمة نالت من شرعيتها فحدث ولا حرج، ففضلا عما اشيع وتداوله البعض من من دفع اموال طائلة في تكوين القائمة الواحدة التي تقدمت للترشح في انتخابات مجلس النواب تحت اسم القائمة الوطنية، وشراء للمقاعد والاصوات، وقعت الهيئة الوطنية المشرفة علي الانتخابات في خطأ جسيم، تمثل في امتناع رؤساء اللجان عن تسليم مندوبي المرشحين في الجولة الاولي صور من كشوف فرز وحصر الاصوات، وهو الخطأ الذي استدعي السيد رئيس الجمهورية الي التدخل في بوست كتبه ونشره علي مواقع التواصل اشار فيه الي ذلك، و اوصي الهيئة بالنظر في الغاء هذه الانتخابات برمتها.
وكان ان طعن علي صحة هذه الاجراءات، امام المحكمة الادارية العليا، والتي الغت بدورها نتائج تلك اللجان، مما اجبر الهيئة الوطنية علي اعادتها مرة اخري، لتدارك من وقعت فيه من اخطاء، لتمضي بعد ذلك في استكمال باقي مراحل تلك الانتخابات المعيبة، علي الرغم مما شابها من بطلان، وعزوف من معظم المواطنين عن المشاركة فيها.
وللاجابة علي السؤال الافتتاحي لهذا المقال:
هل ما شاب تلك الانتخابات من انتهاكات و خروقات، وما لحق بها من مخالفات دستورية وقانونية، يعرضها للحكم بالبطلان، ام لا؟
ان الاجابة علي هذا السؤال ينبغي معها ان نرجع اولا الي النصوص الدستورية والقانوية الحاكمة لتلك الانتخابات، ثم نسقط تطبيق تلك النصوص علي ما حدث فيها، وعلينا ايضا ان نفرق ما بين حق القضاء في ابطال بعض اجراءات الانتخابات في بعض الدوائر، او ابطال عضوية كل او بعض اعضاء المجلس، وحق القضاء ابطال العملية الانتخابية برمتها.
وبلغة الفقهاء، لتحرير تلك المسألة ينبغي الاشارة الي تحصين عملية انتخاب مجلس الشيوخ من الطعن امام القضاء، طالما انتهت عملية انتخابه واعلنت الهيئة الوطنية نتائجها، ولم يطعن علي صحة عضويته امام محكمة النقض خلال 30 يوما من تاريخ اعلان النتيجة النهائية.
اما عن انتخابات مجلس النواب، والتي لازالت حتي تاريخ كتابة هذا المقال تجري مراحلها الاخيرة، فلازال باب الطعن عليها مفتوحاً امام القضاء، سواء امام المحكمة الادارية العليا فيما يتعلق بصحة اجراءاتها، او بالطعن علي صحة انتخاب اعضائه امام محكمة النقض خلال 30 يوما من تاريخ اعلان نتيجتها النهائية.
وللاجابة علي السؤال المطروح، بشكل مباشر واكثر اختصاراً، يمكن القول بان الطعن علي الاجراءات المتعلقة بسير مراحل العملية الانتخابيه، وما لحق بها من انتهاكات، يكون من اختصاص قضاء المحكمة الادارية العليا بمجلس الدولة، التي لا يمكنها سوي الالغاء الجزئي لنتائج بعض الدوائر الانتخابيه، واعادتها مرة اخري ، ثم ينتقل الاختصاص بعد ذلك بالفصل في صحة العضوية بعد اعلان الهيئة الوطنية للانتخابات لنتيجتها النهائية الي محكمة النقض.
اما عن القضاء ببطلان الانتخابات البرلمانية برمتها من الناحية القانونية، فهو امر موكول الي المحكمة الدستورية العليا، ويقوم بداية علي ملائمات قانونية، ترجع في المبتدأ الي تقدير، المحكمة الادارية العليا، اومحكمة النقض، حال نظرهما فيما يطرح عليهما من طعون تتضمن الدفع بعدم دستورية هذه الانتخابات، حيث يمنحهما القانون عندئذ سلطة احالة الطعن الي المحكمة الدستورية العليا، للفصل في مدي اتفاق وصحة هذه الانتخابات مع المباديء والمواد الدستورية.
نخلص اذن في ختام هذا المقال الي ان امر الفصل في صحة انتخابات مجلس النواب، سواء جزئيا او كلياً، هو امر يتحمل مسئوليته القضاء المصري ممثلا في محاكمه العليا الثلاث، الادارية العليا والنقض، والدستورية العليا،
ولا شك ان القضاء المصري صار امام مسئولية مفصلية وتاريخية كبيرة. بعد ان وصمت هذه الانتخابات بالفساد المالي والرشي الانتخابيه، واقصاء معظم القوي الوطنية عن المشاركة فيها، وعدم تقدير ارادة الناخبين، واهدار اصواتهم، بعدم اعتماد نظام القوائم النسبية، والمقاطعة الكبيرة لها من جموع المواطنين، مما يفقدها مشروعيتها، ومشروعية البرلمان الذي تحمض منها.
وفي الاخير اتفق مع ما يراه البعض من ان لرئيس الجمهورية الحق وفقا لنص المادة156من الدستورفي اصدار قرار جمهوري بقانون بالغاء هذه الانتخابات برمتها، واعادتها من جديد علي اسس دستورية وقانونية عادلة، تضمن انتخاب برلمان يعبر تعبيراً حقيقيا عن ارادة الشعب المصري، هذا اذا رأي سيادته ما يوجب اتخاذه من تدابير لا تحتمل التأخير وفقا للنص الدستوري الذي منحة سلطة مطلقة في مدي تقدير ذلك حتي موعد انعقاد البرلمان.
اسعد هيكل المحامي
القاهرة 21/12/2025



















