تشهد أسعار الذهب في سوريا اليوم تحركات لافتة، وسط حالة من الترقب والقلق في السوق المحلية، مدفوعة بعوامل داخلية وخارجية تتقاطع ما بين الأزمات الاقتصادية المتفاقمة في البلاد، وتقلبات السوق العالمية.

فبينما يبحث المواطن السوري عن ملاذ آمن يحفظ قيمة أمواله، يتصدّر الذهب قائمة الأصول التي تُعتبر تقليديًا خزينة للثروة، خاصة في فترات عدم الاستقرار.
في هذا التقرير، نرصد لكم أحدث المستجدات حول أسعار الذهب بمختلف العيارات، وتحليلًا لحركة السوق، وتوقعات المرحلة المقبلة، إضافة إلى خلفيات اقتصادية تُسلّط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الذهب، وسعر الصرف، والوضع المعيشي.
الذهب.. مؤشر الثقة والهلع في آنٍ واحد
يُنظر إلى الذهب في سوريا ليس فقط بوصفه معدنًا ثمينًا، بل كأداة ادخار رئيسية ووسيلة تحوّط ضد انهيار قيمة العملة المحلية.
وبينما تتبدل الأسعار بشكل يومي، تُعيد العائلات السورية ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع هذا التحول، وخاصة في ظل تراجع دخل الأفراد وارتفاع كلفة المعيشة.
وبحسب جولة ميدانية في عدد من محال الصاغة في دمشق وحلب واللاذقية، فإن الإقبال على شراء الذهب قد تراجع مقارنة بالشهور الماضية، في حين ارتفعت عمليات البيع، لا سيما لمدخرات قديمة تحت وطأة الحاجة المعيشية أو تمويل مناسبات اجتماعية.
هبوط الليرة وارتفاع الدولار.. السبب الرئيسي؟
يربط خبراء الاقتصاد التغييرات التي طرأت على أسعار الذهب في سوريا اليوم بشكل مباشر بانخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي، حيث تجاوز سعر صرف الدولار حاجز 12800 ليرة سورية في السوق السوداء، وهو ما رفع أسعار الذهب حتى وإن استقر السعر العالمي للأونصة.
في المقابل، يلاحظ المحللون أن التذبذب في سعر الذهب يعكس أيضًا اهتزازات السوق العالمية، والتي تتأثر بعوامل مثل التوترات الجيوسياسية، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وسلوك المستثمرين تجاه الأصول الآمنة.
هكذا تحركت أسعار العيارات المختلفة
شهدت أسعار العيارات المختلفة من الذهب في سوريا اليوم ارتفاعًا متدرجًا يتناسب مع نقاوة كل عيار، وجاءت على النحو التالي:
سجّل كيلو ذهب عيار 24 سعرًا قياسيًا بلغ 1,362,045,164.09 ليرة سورية، ما يعادل 105,836.70 دولارًا أمريكيًا، في قفزة لم يشهدها السوق منذ أشهر.
وبلغ سعر أونصة ذهب عيار 24 نحو 42,364,348.62 ليرة سورية، أي 3291.89 دولار، متأثرًا مباشرة بحركة البورصات العالمية.
وصل غرام ذهب عيار 24 إلى 1,362,087.63 ليرة سورية، وهو ما يعادل 105.84 دولارًا أمريكيًا، محقّقًا أعلى سعر يومي خلال هذا الأسبوع.
سجّل غرام ذهب عيار 23 نحو 1,305,333.98 ليرة سورية، أي ما يعادل 101.43 دولارًا.
بلغ غرام ذهب عيار 22 حوالي 1,248,580.33 ليرة سورية، بقيمة 97.02 دولارًا أمريكيًا.
لامس غرام ذهب عيار 21، وهو الأكثر تداولًا بين السوريين، 1,191,826.68 ليرة سورية، أي 92.61 دولارًا.
سجّل غرام ذهب عيار 18، المستخدم غالبًا في الحلي والمجوهرات، 1,021,565.72 ليرة سورية، أي 79.38 دولارًا أمريكيًا.
الذهب السوري.. بين الإنتاج المحلي والاستيراد
تُنتج سوريا كميات محدودة من الذهب محليًا، من خلال الحرفيين المحليين، حيث تُصنع الحلي والمجوهرات في ورشات صغيرة غالبًا، وتعتمد في بعض الأحيان على المواد الخام المستوردة.
ومع تقلص الاستيراد بسبب العقوبات وقيود العملة الصعبة، ارتفعت كلفة الإنتاج، ما انعكس على الأسعار النهائية للمستهلكين.
وتفرض الحكومة السورية رقابة نسبية على قطاع الذهب، لكن السوق الموازية تبقى الأكثر تأثيرًا، حيث تتحكم حركة العرض والطلب، والتداول غير الرسمي، في تحديد أسعار الذهب.
توقعات الخبراء: إلى أين يتجه السوق؟
يُجمع خبراء الاقتصاد على أن أسعار الذهب في سوريا اليوم قد لا تكون سوى بداية لموجة تصاعدية جديدة، خصوصًا إذا استمرت قيمة الليرة في التدهور، ولم يحدث تدخل فعّال من المصرف المركزي أو تحسن في بيئة الاستقرار الاقتصادي.
ويشير تقرير صادر عن أحد مراكز الدراسات الاقتصادية في بيروت إلى أن الذهب سيبقى “أداة دفاعية” للسوريين في وجه التضخم وفقدان القيمة، ما يعني أن الإقبال عليه لن ينقطع، بل قد يزداد رغم ارتفاع سعره، طالما بقيت البدائل محدودة.
في الخلاصة: الذهب مرآة الأزمة
تكشف أسعار الذهب في سوريا اليوم عن عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المواطن السوري.
فكل ارتفاع جديد في سعر الغرام، هو إشعار إضافي بانخفاض القدرة الشرائية، وزيادة العبء على العائلات، التي تحاول التكيّف مع وضع اقتصادي هش وغير مستقر.
وفي ظل غياب بوادر الانفراج الاقتصادي، من المرجّح أن يستمر الذهب في لعب دوره كمؤشر صادق على الأوضاع المالية في البلاد، وأداة تحوّط شعبية تُفضّلها العائلات السورية على أي استثمار آخر.





















