لم يعد الأمر يتعلق بمتعة تناول الطعام أو جودته وإنما أصبحت المتعة في مشاهدة الآخرين يأكلون الطعام وكيف يصفون لنا مذاقه، يصفون لنا أحيانا كيف نأكله لنتخذ تحت تأثير الرؤية والمشهد والوصف قرارًا بالشراء من هذا المطعم.
نعم أصبح الملايين منا لايثقون في حاسة التذوق لديهم ولا في تجربتهم وإنما وثقوا في كلمات وآراء حفنة من الأشخاص أطلقوا علي أنفسهم “الفود بلوجر” يخبروك بأن الطعام حلو وجوسي ولذيذ.
عرف جمهور السوشيال ميديا تلك الظاهرة لأول مرة في عام ٢٠١٠ وبالتحديد من كوريا الجنوبية تحت اسم “موكبانغ”، والكلمة مشتقة من جزئين، الأولى «موك» وتعني نأكل، والثانية “بانغ” وتعني البث، في إشارة إلى تناول الوجبات بشراهة أمام الكاميرا.
ثم انتشرت تلك المقاطع من كوريا الجنوبية إلى عدة بلدان أبرزها أستراليا والولايات المتحدة، وصولاً إلى دول عربية، مثل مصر والعراق.
كانت مقاطع “موكبانغ”، تجمع أفراد أو أسر كاملة تلتهم وجباتها أمام الكاميرا، ويتحدثون على الطعام وتقيمه وتعليقاتهم حول ما أكلوه وكانت تلك المقاطع كلها تنتج علي نفقة صاحب المقطع او القناة وهو من يشتري الطعام على نفقته ولم تكن المطاعم في هذا الوقت تقوم بدفع الأموال لصاحب القناة.
ولكن في مصر اخترع هؤلاء لأنفسهم مسمى وظيفي جديد وأطلقوا علي مايقدموه بأنهم “الفود بلوجر” يبحثون عن المطاعم فى كل شق لكي تدفع لهم نظير مقطع يجلس فيه وأمامه وجبات عديدة مستفزة يتذوقها ويمدح في طعامتها وجمالها ، ودعني اخبرك ان ٩٠٪ من هؤلاء الذين يتحدثون إليك من أمام الكاميرات ويصفون لك بمبالغة شديدة حلاوة وطعامة الطعام الذى يتذوقونه من القطمة الأولى لا يجيدون من الأساس فن التـذوق، ولن يدرسوا فنون الطبخ ولا حتى اطلعوا من قريب او بعيد على المطابخ العالمية او المحلية أو حتي مطبخ منزلهم، وحتي لم يعمل أحدهم ولو مساعد لشيف في أحدي المطاعم و أن كل خبرتهم المتعلقة بالأكل تنحصر في الوجبة التي سوف يحصل عليها مجانًا وشكل المظروف الذي توضع فيه أمواله بعد تصوير الفيديو، ليبدأ لك بالصراخ التنهيد و رعشة الجسد من فرط ما ذاق من جمال الوجبة.
وبمراجعة أغلب فيديوهات هؤلاء سوف تجد للنظرة الأولى أنهم لا يملكون حتي آداب تناول الطعام ويلتهمونه بشكل مقزز وفج يتنقلون من مطعم لآخر تتشابه جميع كلمات الوصف وتختلف نبرة الصراخ والتنهيد مع اختلاف عدد الورقات المالية الـي حصل عليها، لينصحك ويدعوك لزيارة وتذوق تلك المطاعم وشراء الطعام والفارق الوحيد بينك وبينه أنك دفعت المال وهو تحصل عليه.
أخبرني كيف أصبحت تثق فى ذوق ورأي شخص انت تعلم تماما أنه قبض المال ليضحك عليك ويقنعك ويوجهك بكل الأشكال لعمل أوردر من هذا المطعم أو ذاك؟
أخبرني كيف تصدق شخص يلتهم طعام قدم له مجانا وقبض المال وكل هدفه تغفيلك وانت تعلم ذلك؟
قد احترم شخص يمتهن تلك المهنة وقدم محتوي استند على المقارنة اللحظية بين مثلا وجبات متشابه من مطاعم مختلفة قام بشرائها من ماله الخاص، وقدم لي تعليقات مستنده علي على خبرة له فى مجال المطاعم او الطعام وينتظر ربحه من المشاهدات وليس مظروف من صاحب المطعم.
الطعام أذواق والمثل الشعبي قال كل اللي يعجبك ولكن لم يقل كل اللي يقولك عليه البلوجر.
وفي النهاية يجب أن ندرك أن تلك الظاهرة توسعت بشكل كثيف بل وأصبح هناك أشخاص يهددون أصحاب المطاعم بعمل فيديوهات تسيء لجودة الاكل والمطعم إذا لم يدفع لهم، وكلمة السر وراء تبجح هؤلاء أو زيادة ثروتهم هي نحن .
نعم نحن من نصنع هؤلاء التافهين ونمنحهم الملايين من المشاهدات و الملايين من الجنيهات نجعلهم يشعرون أنهم مؤثرين ويستطيعون تحديد اتجاهاتك وقراراتك وحتي ماذا تأكل حالا بمقطع لايف أو فيديو، ثم نغرد على المنصات ونشكو حال البلد التي جعلت فلان الجاهل عديم الشهادة مليونير والمتعلم والساعي لنهضة الوطن شحات معدم.






















