أكتب هذه الكلمات لا من موقع الخصومة، بل من موقع الانتماء، لا أكتب لأدين حزبًا بعينه، ولا لأجلد تجربة أؤمن بها، ولا لأمنح خصوم السياسة سلاحًا ضدها، أكتب لأن الأحزاب التي تؤمن بالإصلاح تستحق أن تكون أقوى، أعمق، وأقرب إلى الناس.
ومن داخل هذه التجربة، لا من خارجها، أقول: إن الوفاء الحقيقي للحزب ليس في الصمت على ضعفه، بل في العمل على تقويته، والانتماء الجاد لا يعني التصفيق الدائم، بل يعني أن نرى الخطر قبل أن يراه الآخرون، وأن نعالج العطب قبل أن يتحول إلى مصير.
ليست القضية أن نهاجم أحزابنا، القضية أن نستعيد معنى الحزب نفسه، فالحزب ليس لافتة انتخابية، ولا تجمعًا موسميًا، ولا منصة نخبوية. الحزب، في جوهره، مدرسة للمواطنة، وأداة لتنظيم الناس، وجسر بين الفكرة والحياة اليومية.
ولذلك فإن أي نقد يرد هنا هو نقد لمنظومة عمل نريدها أن تنهض، لا لتجربة نريد أن نهدمها، هو نقد محب، لا نقد شامت. نقد من يريد البناء، لا من ينتظر الانهيار.
لقد دخلت أحزابنا معارك كثيرة، بعضها خاضته بشجاعة، وبعضها خاضته متأخرة، وبعضها لم تخضه كما ينبغي، لكن أخطر معركة أمامها اليوم ليست مع خصومها فقط، أخطر معركة هي مع ضعفها الداخلي، مع ترددها، مع نخبوية خطابها، مع ضعف تنظيمها، مع المسافة بينها وبين المواطن العادي.
هذه معركة لا تُكسب بالشعارات، ولا تُكسب بالنيات الطيبة، ولا تُكسب بمجرد أن نملك موقفًا نبيلًا، التاريخ لا يكافئ من يملك الموقف النبيل فقط؛ التاريخ يكافئ من يحول النبل إلى قوة، والفكرة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى فعل، والفعل إلى ثقة.
أول الطريق أن نصلح البيت، لا يحق لنا أن نطالب بدولة قانون إذا لم نجعل القانون حاكمًا داخل أحزابنا، لا يحق لنا أن نطالب بتداول السلطة إذا خفنا من تداول القيادة، لا يحق لنا أن ندافع عن حق الاختلاف في الوطن إذا ضقنا به داخل الاجتماع الحزبي.
سنبدأ من الداخل، سنحترم اللوائح، سننتخب القيادات بجدية، سنحدد مدد المناصب، سننشر الحسابات، سنحمي حق الأقلية، سنمنع الحزب أن يتحول إلى ملكية خاصة.
فالحزب الذي لا يثق في أعضائه لن يقنع الناس بأنه يثق في المواطنين، والحزب الذي لا يمارس الديمقراطية في بيته لن يزرعها في الوطن.
ثاني الطريق أن ننزل إلى الناس، ليست مصر كلها القاهرة، وليست السياسة كلها حديث العاصمة، مصر قرية تنتظر خدمة، حي يبحث عن مدرسة، شاب يطلب فرصة، امرأة تقاتل من أجل بيتها، عامل يخاف المرض، صاحب مشروع صغير تقتله الرخصة قبل أن يقتله السوق، أسرة كاملة تعيش تحت ضغط الأسعار، وتريد من السياسة أن تصبح عونًا لا خطبة.
هناك تبدأ السياسة، في الطريق المكسور، في المدرسة المزدحمة، في المستشفى المتعب، أمام شباك الخدمة الحكومية، في السوق، في الموقف، في القرية، في الحي، في حياة الناس التي لا تنتظر مقالاتنا ولا بياناتنا كي تزداد صعوبة.
سنسمع قبل أن نخطب، سننظم قبل أن نرشح، سنخدم قبل أن نطلب الأصوات، سنحوّل المقرات الحزبية إلى خنادق عمل، لا عناوين صامتة، سنحوّل العضو من متفرج إلى فاعل، وسنحوّل الحزب من اسم إلى حضور.
كل وحدة حزبية يجب أن تخوض معركة محلية، مدرسة، مستشفى، طريق صرف صحي، تراخيص، مواصلات، تلوث، سوق، لا توجد قضية صغيرة إذا كانت تمس كرامة الناس.
ثالث الطريق أن نعيد تعريف الحرية، الحرية ليست كلمة عالية لا تصل إلى الأرض، الحرية أن يمشي المواطن بلا خوف، أن يعمل بلا واسطة، أن يتعلم ابنه بلا إهانة، أن يعالج أهله بلا إذلال، أن يبدأ مشروعه بلا رشوة، أن يقول رأيه بلا عقاب، أن يقف أمام القانون مساويًا للغني والقوي وصاحب النفوذ.
هذه هي الليبرالية التي تحتاجها مصر، ليست ليبرالية مترفة، ليست ليبرالية باردة، ليست ليبرالية تقف عند حدود النخبة، بل ليبرالية المواطن الذي يريد فرصة، ليبرالية الطبقة الوسطى التي تُستنزف، ليبرالية الفقير الذي لا يريد شفقة، بل عدلًا، ليبرالية الشاب الذي يريد وطنًا يفتح له بابًا، لا يدفعه إلى الهجرة أو اليأس.
سنقولها بوضوح: نحن مع حرية المواطن من الخوف، نحن مع حريته من الفقر، نحن مع حريته من الوصاية، نحن مع حريته من الاحتكار، نحن مع حريته من الإذلال.
فالحرية التي لا تصل إلى حياة الناس اليومية تبقى ناقصة، والعدالة التي لا تحمي الحرية تتحول إلى وصاية، والسوق الذي لا تحكمه قواعد عادلة يتحول إلى غابة، والدولة التي لا ترى المواطن إلا تابعًا لا تبني أمة حرة.
رابع الطريق أن نجمع الإنجاز بالعدل، نعم، نريد أن نكافئ المجتهد، نعم، نريد اقتصادًا حيًا، نعم نريد مشروعًا خاصًا قويًا، نعم، نريد أن يعمل الناس وينجحوا ويصعدوا، لكن لا نريد سباقًا يبدأ فيه البعض من خط النهاية، ويبدأ آخرون مقيدين من الخلف.
لا حرية حقيقية بلا فرصة حقيقية، لا منافسة عادلة مع احتكار، لا نجاح شريف مع فساد، لا سوق حر حين يتحول القانون من ضمانة إلى متاهة تعطل الاستثمار، لا كرامة لعامل بلا حماية، لا مستقبل لشاب بلا تعليم جيد، سنحارب الاحتكار، سنحمي المشروع الصغير.
سنطلب قواعد عادلة ومفهومة للاستثمار، سنربط التعليم بالعمل، سنحمي المواطن من أن يحوله المرض إلى فقير، سنفتح الطريق أمام من يريد أن يصعد بجهده لا بولائه.
هذه ليست اشتراكية مقنعة. وليست رأسمالية متوحشة، إنها ليبرالية الفرصة، ليبرالية تقول إن الإنسان قادر، لكن قدرته تحتاج إلى أرض يقف عليها، لا إلى حفرة يسقط فيها.
خامس الطريق أن نحمي القيم المشتركة، لا نريد من المصريين أن يتشابهوا، لا نريد وطنًا بلون واحد، وصوت واحد، ورأي واحد، الأمم العظيمة لا تبنى بالطابور الصامت، تبنى بالاختلاف المنظم، وبالقانون العادل، وبالكرامة التي لا تُجزأ.
نختلف في الأفكار، نختلف في العادات، نختلف في أنماط الحياة، نختلف في الأولويات، لكننا لا نختلف على أن الإنسان لا يُهان، لا نختلف على أن القانون فوق الجميع، لا نختلف على أن العنف ليس سياسة، لا نختلف على أن الدولة لا تملك ضمير المواطن، لا نختلف على أن الكرامة حق لا منحة.
سنحمي حق المحافظ والمتحرر، سنحمي حق الأغلبية وحق الأقلية، سنحمي حق المؤمن وغير المؤمن، سنحمي حق الاختلاف ما دام سلميًا، سنحمي الدولة من أن تصبح أداة في يد فئة، وسنحمي المجتمع من أن يتحول اختلافه إلى حرب أهلية باردة.
هذه ليست معركة ضد الدين، وليست معركة ضد التقاليد، إنها معركة ضد القهر، ضد الوصاية، ضد تحويل المواطن إلى تابع، ضد تحويل القانون إلى عصا في يد الأقوى.
سادس الطريق أن نبني الكادر، الأحزاب لا تنتصر بالنيات الحسنة، ولا بالصور، ولا بالغضب، ولا بالبيانات، الأحزاب تنتصر برجال ونساء يعرفون ماذا يفعلون حين تأتي اللحظة.
نحتاج منظمين لا نجومًا فقط، نحتاج باحثين لا خطباء فقط، نحتاج فرقًا قانونية تفهم قواعد الانتخابات، وتحمي المرشحين والمندوبين، وتوثق المخالفات، وتدافع عن حق الحزب في المنافسة.
نحتاج مسؤولي عضوية لا يكتفون بتسجيل الأسماء، بل يعرفون الأعضاء، ويتابعون حضورهم، ويحدثون بياناتهم، ويربطون كل عضو بمهمة واضحة داخل الحزب.
نحتاج مديري حملات، نحتاج قيادات محلية في المحافظات تعرف الناس ومشكلاتهم، لا قيادات لا تظهر إلا في الإعلام، سنؤسس مدرسة حزبية، سندرب كل عضو.
سنصنع صفًا ثانيًا وثالثًا، سنحول الشباب من جمهور غاضب إلى قوة منظمة، سنحول الحماس إلى مهارة، وسنحول المهارة إلى أثر.
فالأمة لا تنقذها الصدفة، والحزب الذي لا يصنع كادره ينتظر هزيمته، سابع الطريق أن نتعاون حيث يجب، لقد دفع العمل الحزبي ثمنًا باهظًا للتشرذم، اختلف أكثر مما بنى، تنافس أكثر مما نسق.
حفظ جراحه القديمة، ونسي معاركه القادمة، وليس المطلوب وحدة كاذبة، ولا اندماجًا مرتبكًا، ولا ذوبانًا بلا معنى، المطلوب عقل سياسي يعرف متى يتنافس، ومتى يتعاون، ومتى يصمت عن خلاف صغير لينتصر في معركة أكبر.
سننسق حيث نستطيع، سندعم المرشح الأقوى حيث يجب، سنشكل فرقًا للسياسات تقدم بدائل عملية في الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والإدارة المحلية، لا شعارات عامة، سندافع معًا عن نزاهة المنافسة، سنختلف دون أن نهدم الجسر الوحيد الباقي بيننا.
فالقوى الصغيرة إذا تفرقت تلاشت، وإذا انتظمت صارت بداية، هذه هي الروشتة، ليست ناعمة، وليست سهلة، لكنها ضرورية، أصلحوا الحزب من داخله، ازرعوه في المجتمع، اجعلوا الحرية معيشة لا شعارًا، اجمعوا السوق بالعدل، احموا القيم المشتركة، ابنوا الكادر، ووحّدوا الجهد الإصلاحي قبل أن يبتلعه الزمن.
ليس المطلوب أن نزعم امتلاك الخلاص، الخلاص لا يُعلن في المقالات والبيانات، الخلاص يُبنى في المقرات الحزبية، وفي التجمعات المحلية، وفي الشارع، وفي النقابة، وفي الجامعة، وفي الحي، وفي القرية، وفي كل مكان يشعر فيه المواطن أن السياسة يمكن أن تخفف عنه لا أن تزيد غربته.
وليس المطلوب أن نهاجم أنفسنا، المطلوب أن نأخذ أنفسنا بجدية، أن نكون على قدر الفكرة التي نحملها، أن ندرك أن الليبرالية ليست زينة لغوية، بل واجب يومي، وأن الإصلاح ليس شعارًا ضد أحد، بل عهد مع الجميع: أن نعيش معًا، مختلفين، أحرارًا، متساوين أمام القانون.
إن واجبنا اليوم ليس أن نزين الهامش، واجبنا أن نوسعه، ليس أن نطلب مقعدًا في المشهد، واجبنا أن نغير شروط المشهد، ليس أن نبقى شهودًا على الاحتقان، بل أن نحوله إلى عمل منظم، واجبنا أن نصنع طريقًا، ولو بدأ ضيقًا، ولو بدأ صعبًا، ولو بدأ وحيدًا.
سنصمد لأن الحرية تستحق، سننظم لأن الغضب وحده لا يكفي، سنبني لأن الوطن لا يقوم بالشكوى، سنتعلم لأن الحزب الذي لا يتعلم يشيخ، وسنتقدم لأن الأمم لا تنتظر المترددين.
هذه ليست دعوة إلى الأمل السهل، هذه دعوة إلى الواجب الصعب، ومن كان وفيًا لحزبه، فليجعله أقوى، ومن كان وفيًا لفكرته، فليجعلها أعمق، ومن كان وفيًا لوطنه، فليجعل السياسة طريقًا إلى الكرامة لا بابًا إلى اليأس.
فلنبدأ.





















