بكل المقاييس ما نراه هو حرب وجودية للشرق بأكمله، حرب عقدية تمتد جذورها إلى قديم الأزل ضد المكون الأساسي للمنطقة العربية بأكملها بلا استثناء، واهم من يظن أن مصر بعيدة عن كل ما يحدث؛ فمصر قلب لوحة التنشين والجائزة الكبرى.
وكل ما نراه من تشابك معقد للحرب الصهيونية على إيران، ولن أخصص أو أفرق بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية كما يريد غالبية المحللين؛ لأن هذا الاتجاه يصب في صالح إسرائيل، ويرسخ للهيمنة والهزيمة النفسية أمام العدو تحت شعار “إسرائيل الكبرى”.
وإسرائيل في العقيدة الصهيونية الدينية ليست مجرد عقيدة أو القول المنتشر عنهم “حدود دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات”، والتي أسسها ثيودور هرتزل “الملحد”، بل إن حدود دولة إسرائيل تمتد إلى أي أرض يطأها يهودي مؤمن بالمخلص المنتظر، فتصبح ملكا شرعيا لأبناء صهيون. لذلك نراهم بقوة في إفريقيا يساهمون في الزراعة وتطوير أساليبها، ويبنون السدود بتمويلات عربية لأهداف غاية في التعقيد.
قد تم تأسيس هذا الفكر أولا بقوة المال من عائلات الصهاينة الكبرى، أمثال روتشيلد ويعقوب شيف وروكيفلر وغيرهم من العائلات اليهودية الكبرى التي تتحكم في أرصدة العالم الاقتصادية، وهم من أسسوا للاستعمار الاقتصادي. ثم الآن من يمول المؤامرة على أنفسنا هو نحن العرب.
فإذا كانت قد خرجت علينا وزارة الحرب الأمريكية قائلة بأنها تقوم بتغذية الوحدات التي تحارب في المنطقة، وأنها حرب مقدسة، ووصفوها بدقة “هرمجدون”، وهي حرب نهاية الزمان، وأنها حرب قد ولدت قبل ميلاد المسيح. وبالطبع هنا هو لا يقصد السيد المسيح عليه السلام.
فإن العقيدة اليهودية تؤمن يقينا بأن المسيح لم يولد بعد، وهو مخلصهم في نهاية الزمان، ويأتي على أنقاض خراب أرض العرب والفرس واستعبادهم، ثم قيادة هذه الإمبراطورية الأخيرة حتى نهاية الزمان، ليس من القدس كما يشاع أو الهيكل المزعوم، ولكن من مصر. يخرج مسيحهم من أرض الشتات من محبسه ويعود لقيادة “زيون” من أرض “مصر” بني صهيون ليخلصهم، ويعود الازدهار والرخاء تحت قيادته، ومن ثم يتحقق المنشود فيتقبلهم الله في جناته بأنهم جعلوا المنتظر يخرج من مكانه، وهو لن يخرج إلا بدماء العرب.
وبالتالي فمصر ذات أهمية قصوى في العقيدة الصهيونية. فحينما يطل السيد وزير الحرب الأمريكي بيتر هيغسيث ويصرح بأن ما تشير إليه إيران في حربها أنه محض أوهام دينية، فهو قلب للحقائق أولا؛ لأن المعتدي الأول هو البطش الصهيوني. وثانيا قلب للحقائق لأنه يقول لوحداته إنها “هرمجدون”، حرب المخلص ونهاية الزمان، ثم يحجر على الرأي الآخر ويصفه بأنه أوهام دينية. فمن الأحرى أن يكون الوهم على الأقل مشتركا بينكم.
ولكن على كل حال، اللعب قد أصبح على المكشوف. الكل رغم الإنكار الشديد فإن الواقع يقول إن الأحزاب الكبرى لحرب نهاية الزمان تتشكل الآن، والتي ليست بالضرورة في الوقت الحالي نشوبها، ولكن الأحزاب والجهات تتشكل، وكل من الآن بدأ باختيار موقعه، ولا حياد في الموقع بعد الآن.
حيث فجرت جريدة واشنطن بوست أنها تمتلك التقارير والمصادر لإثبات أن التمويل الإسرائيلي للحرب هو تمويل عربي وبدفع من دول بعينها. وهذا واقع لتشكل تلك الأحزاب والتكتلات.
وليس غريبا الدعم الأمريكي لإسرائيل؛ فإن من يحكم الولايات المتحدة هو فكر الصهيونية المسيحية، وهو فكر ليس بجديد ولا علاقة له بالمسيحية التي أنزلها الله على عيسى عليه السلام. فإن أحد أدوات الصهيونية هو حوسلتها، أي أنها تصبح وسيلة تساعد الفكر الاستعماري في كل خططه وتحقق غرضها في ذات الوقت. ومن هنا أصبح فكرا سياسيا وخرج عن كونه فكرا في إطار ديني ضيق لليهود، وهو ما كان نقطة انطلاق للفكر الصهيوني تجاه تحقيق ما يريده من مخططات.
أما عن فكرة أن الولايات المتحدة تقودها إسرائيل فهي فكرة غير دقيقة على الإطلاق؛ لأن إسرائيل لا تخرج عن إطار الحوسلة أيضا، أحد أذرعها العسكرية الصهيونية مرحليا. فمثلا تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية لكي تهيمن على الإقليم الأوسط الذي يمتد من المحيط إلى الخليج، ومن الخليج إلى إيران وباكستان وتركيا وقبرص واليونان أيضا، لما يحتويه المتوسط من كنوز عظيمة، إلى ما يزيد على ست حاملات طائرات وبارجات، وشبكات من الباتريوت والصواريخ المتعددة التي تستخدم لحماية المنشآت الحيوية من الصواريخ الباليستية والطائرات على ارتفاعات متوسطة وعالية، بمدى يصل إلى 160 كم للطائرات و75 كم للصواريخ الباليستية.
والباتريوت الاعتراضي الواحد تقريبا أربعة ملايين دولار، أي أنها تكاليف إجمالية تتجاوز حيز التريليونات. فعندما ننظر بعمق نجد أن الفكر الصهيوأمريكي قد استبدل هذه التريليونات بإسرائيل وحاملة طائرات واحدة، يعني أنه هيمن على موارد الإقليم بربع التكلفة المقدرة تقريبا لهذه الهيمنة عبر زرع إسرائيل في هذا المكان تحديدا وسط مكون عربي يحمل لغة ودينا وثقافة وهوية شبه واحدة.
وإذا لاحظنا الحروب الجارية ما بعد الحرب الباردة وتحديدا عقب غزو العراق عام 2003، نرى أن الاستراتيجية الاستعمارية هي طبق الأصل للحروب الصليبية القديمة الإمبريالية في صورتها الخالصة.
ولأنهم يقرؤون ونحن أمة “اقرأ” لا تقرأ، فقد تعلموا الدرس جيدا من آخر الحملات الصليبية القديمة على الشرق بقيادة لويس التاسع أن مكمن الخطر يأتي من مصر. شعب في رباط ليست لديه التعددية الدينية التي تسبب التفرقة، وهذه ميزة فريدة؛ فمصر لديها مسلمون ومسيحيون فقط، هم المكون الأساسي للمصرية والجندية وهو الأهم، وباقي النسب غير قابلة للقياس. وجيش قوي وفي ترابط وهو أحد أعظم الجيوش تاريخيا، هو من ابتكر علوم الجندية، وبالتالي لديه مكون حضاري ضخم وإرث ثقافي غني يمنعه من الشتات، وهو ما لا يملكه الشعب اليهودي والصهيوني “زيون”، رغم امتلاكهم كل سبل الاستمرار.
إذن فالمنافس الحقيقي لزيون “الشعب المختار” هو مصر والشعب المصري صاحب هذا الإرث الضخم والمكون الحضاري والتاريخي والأخلاقي العظيم. وعند ذكر الأخلاق تأتي روح المقاومة ضد الاستعمار، وهو ما استوعبه لويس التاسع من علمائه، لذا قال إن مفتاح أورشليم هو مصر. وأن أورشليم هنا كانت دعاية أو صبغة دينية ليس إلا، وما تمثله القيمة الحقيقية لأورشليم هو موارد الشرق ثم مصر في النهاية الجائزة الكبرى كما ذكرنا من قبل.
مما لا شك فيه أن علينا أن نتخذ جانبا ما ونقوم بالترابط. وليس مطلوبا أن تكون إيرانيا أو شيعيا ولا أن تتخذ صفا على صف، لكن استيقظ لكي لا تقع في فخ الاستسلام للدعاية الصهيونية فتركن إليهم فتصبح دون أن تعلم في صفهم؛ فهم لا عهد لهم ولا أمان.
أما عن التعاطف مع الدول التي دفعت مقابل اندلاع الحرب المقدسة لليهود فليس صائبا، بل الحذر من دعاياتهم؛ فهم اختاروا جانب إسرائيل ليسوا ليكونوا حلفاء بل ليكونوا وكلاء عندما يعيد الشيطان تشكيل الخرائط من جديد، يحكمون باسمه طائعين.
وفي النهاية أنت الهدف الأساسي، وأنت من تقوم بتحريك مجريات الأمور، لست مهمشا كما تظن، أنت محور المعادلة.
هي عقيدة دينية قديمة هدفها مصر وحكم الجميع من أرض مصر بعد إذلال شعب أبى أن يذل طوال تاريخه الحضاري الممتد إلى بداية التاريخ وإعادة اكتشاف الأخلاق.
وفي النهاية إلى السيد بيتر وزير الحرب الأمريكي: الأوهام الدينية في رؤوسكم فحسب، أما نحن فتحركنا العقيدة لا الوهم، نحارب بقوة اليقين لا المنظمة، نؤمن بأن الله واحد لا المنتظر، والتاريخ شاهد وكاشف، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
















